• ×

11:37 مساءً , الثلاثاء 19 سبتمبر 2017

علاء الدين يوسف علي
بواسطة  علاء الدين يوسف علي

مِصْر .. وهل لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أحرفٌ غَضْبَى ثائرة تفجّرت كالقنابل العُنْقوديّة وكلمات مملوءة بألم وندم وحُرقة إكْتظّت بها صفحات مواقع التّواصل الإجْتماعي وازْدحمت بها صفحات صُحفنا اليوميّة مُوجّهة نحو الجّارة الجّائرة مِصْراً التي لا أزال أُصِّر على أنّها ما كانت لنا يوماً أُخْتاً ولا شقيقة، إلا إن كان القْصْدُ مِن الشقيقة ذلكم الصُّداع النِّصفي المُؤْلِم، فتنادى إعلامنا الذي سِمته التّادُّب والحياء في مُخاطبة شُعوب الجِّوار بعد أن بدأ يتململ يحشد رأياً عامّاً ضِد ما يجري بمنهجيّة ورعاية حُكومية في مِصر تِجاهنا، وحُكومتنا التي بِتنا نظُن أنّها فيما يخُص الشّأن المصري (راقدة ليها فوق راي) كقصة الذي أذاقوه صُنوف عذابٍ وهوان وما انبّس ببِنْت شِفة فقال قائل ساخراً (بكون راقدلو فوق راي) تحرّكت أخيراً على مُسْتوى سفيرنا بالقاهرة السّفيهة (البلدورز) ولحِق بها نُوّاب برلماننا في هوجة برلمانية غير مسبوقة تِجاه أفاعيل مِصر وأحابيلها مع بنو جلدتنا بأراضيها غير الآمنة، ووزير خارجيّتنا "غُنْدور" كان لوزارته كذلك سهْمٌ مُقدّر في هذا المولِد ولكن لا حياة لمِن تنادوا يا قوم، صدِّقوني لا حياة.

ماتت مِصر مُنذ تطبّعت حُكومة وشعباً على الخديعة والوقيعة والخيانة ومياه سدِّها العالي تغْمُر أراضي حلْفا الحبيبة لتذهب هباءاً منثوراً لقومٍ لم يُراعوا عهداً بعد وعدٍ قطعوه باسْتفادة السُّودان من المشروع الذي هجّر أهالي حلفا مِن أقصى الشّمال إلى أقْصى الشّرق في تضحية ندر أن يُقدِّمها شعبٌ لآخر إلّانا، وخدعتنا مِصر وما وجدنا إلا اسْتحقاراً واسْتكباراً واسْتِضْعافاً مِنهم لنا واسْتوْطاءاً لحائط الجوار الذي بيننا وهبناه الأرض ما حصدنا سوى حسرةٌ وبعض ندامة.

وماتت مِصر يوم قدْمنا لأجلها الرِّجال والأرواح رخيصة بلا مطالب أو مُقابل أو إشتراطات في حرب نكستها فكان جنودنا الأشاوس هُم طلائع جيشها وحُماة أرضِها ضِد البطش الإسرائيلي المُتربِّص بها، ودونكم الصّورة التي انتشرنت في المواقع الإلكترونيّة تُظْهِر رئيس دولتنا المُشير البشير وهو يُشارك في حرب الإستنزاف أُكتوبر 1973م ضِمن فرقة صاعقة سودانية حكى ذات يوم عنها ووصف بسالة جنودنا وقتها وهُم يُشاركون في هذه الحرب بفرحة كأنّما كانوا يُزفّون إلى ليلة عُرْسهم، فتناست مِصر هذا الدّور وعملت على طمسه ومحوه مِن صفحات كُتب التّاريخ مِثلما تلاعبت بتاأريخنا القديم وأظهرتنا كُمسْتعمرة لها أخضعتها تحت نير حُكمها كما يظُن حتّى مُثقّفوها إلى لحظتنا هذه مُتناسين أنّ مِصراً نفسها كانت مُسْتعمرةً فرنسية وبريطانيّة ولشدة ضعفها وهوانها هاجمتها الجّيوش الإيطالية طمعاً في اقتلاعها وهي "الساقِطة" كالفريسة لا تملك مِن أمرها شيئاً لتختطفها من بين أيدي الجّيش البريطاني الذي كانت في قبضته آنذاك، ومِصر التي خضعت كذلك للحُكم التُّركي ودولته العُثمانية ووالله لكأني بها مومساً يتخاطفها ثُلّة مِن الصّعاليك كُلٌ يُمنِّي النّفس بقضاء وطره مِنه ثُم يُعرِض عنها مُتأفِّفاً مُتقزِّزاً للذي يليه وهي لا تملك إلا أن تذهب ذليلة مكسورة للأقوى تُستباح كرامتها ويُهتّك عرضها سبيّة مُبْتذلة ورخيصة، وبعد هذا هيّأت لهم آلتهم الإعلاميّة الغبية الهوجاء العرجاء المائعة التي لا تُجيد إلا الرّقص على العشرة بلدي وهز الوسط والصُّراخ و"الزّعيق"، أنّنا العبيد وهُم الأسياد المُسْتعمرون وما السُّودان إلا عُثْمان بواب مِصْر وما علموا أنّ عُثماناً هذا قد يقبل أن يعمل راعياً للضّأن في أرض فلاة سِمته فيها الأمانة وصفاته الأخلاق الحميدة وشُهْرته الإباء والكرامة والرُّجولة والمروءة وهي الصّفات التي عُرفنا بها أكثر مِن غيرنا شئتم أم أبيتم، لكِنّه يترفّع على أن يكون بواباً لـ "إندايتكم" وهي الكلمة الدّارجة وسط عوام الشّعب السوداني الأبي لوصف المكان الذي تُمارس فيه أقدم المِهن حيث يُباع الشّرف وتُمرّغ الكرامة وتُنْتهك الأعراض.

ثُم ماتت مِصر حينما قابلت الكرم الخليجي الفيّاض بقِلّة أدب وانعدام حياء وهي تقول لهم في تسجيلات العميل الأمريكي "السّيسي" المُسرّبة أنتم لسْتم سِوى قِدرٌ كبير مُمتلئ بالأُرْز واللحم نأكل مِنه حتّى تنتفخ مِنّا البطون والأوداج ثُم نمسح أيادينا في جلابيبكم البيضاء ونضربكم على ظهوركم بعُقالاتِكم ونسألكم بكُل بجاحة مِن بعد ذلك هل مِن مزيد؟ وما عليكم سِوى الطّاعة يا أغْبياء، فهكذا هي النّظرة المصريّة للخليج وشُعوبه أنّهُم ثًلّة مِن الأغبياء الذين فتح الله عليهم بشويّة بترول ونحن الأولى بأموالهم (اللي زي الرُّز).

وشبِعت مِصر في موتها وشُيِّعت لمقابر الكرامة المُهْدرة والنّخوة المُنْعدِمة والمُروة الموءودة مُنْذ ادّعت أن السُّودان كان ضالعاً في مُحاولة اغتيال فرعونها الذي أذاقها ويلات الذل والهوان مُبارك وجعلت مِن ذلك ذريعة لتمُد أياديها النِّجسة خلسة وغدرا وتحتل حلايب وشلاتين وترفع علمها ويرفع إعلامها العاهِر عقيرته في مُحاولات مُسْتميتة وبائسة لتمصير المنطقة وأهلها مِن البشاريين والكواهلة والعبابدة، في وقتٍ كان السُّودان فيه ولا يزال مُنْغمِساً في نزاعات داخليّة باتت سبباً في غض طرف الحكومة لبصرها عن الأمر الذي دُبِّر بليل (ولكن لحين) وسياتي يومٌ يرونه بعيداً ونراه قريباً قريبا بإذن الله تتوحّد فيه جبهتنا الدّاخلية ويجتمع رأي أبناء هذا الوطن عند كلمة سواء رُغم سياسة فرِّق تسُد التي تُمارسها معنا مُخابرات المهروسة، ونُصبْح على قلب رجلٍ واحد وحينها ستعلمون بأسنا وقُوّتنا وعُلو كعبنا ووقع كلماتنا قبل "لكماتنا" ووقتها سنُذكِّركم بمن قتل إسماعيل باشا الذي جاءنا مُحْتلاً مُمتطياً ظُهور خيولكم التي روّضكم قبلها وأنتم تعملون في خدمته كما العبيد، ولنُرينّكم كيف قطعنا رأس غُردون باشا لنفدي بيه عُرابيُّكم المسجون غدراً بعد أن وشيتم به للمُسْتعمر، ونُعرِّفكم لماذا نُقاتِل الآن في مُقدِّمة الجُّيوش العربية نتقدّم الصُّفوف في عاصفة الحزم، ستعلمون ساعتئذٍ سِر الجُندي السُّوداني الباتِع الذي يُقْبل على الموت والشّهادة في سبيل الدّين والأرض والعرض وهو مُبتسمٌ ونُسْمعكم حينها مقْطعاً مِن أغنية سوُدانية خالدة تقول "يوم الملاحِم لينا عيد ميِّتنا في الميدان شهيد".

وصارت مِصر جُثّة هامِدة يوم فتحت أبوابها بكل خِسّة ونذالة للحركات المُتمرِّدة على السُّودان مُنذ الهالِك قرنق وحتّى اللحظة تؤويهم وتُوفِّر لهم الملاذ الآمن وتمنحهم الدُّور التي يُديرون مِنها أنْشِطتهم المُعادية للدّولة وتُسخِّر لهم آليّات إعلامها الفاجِر البذيئ الذي جعل مِن رويبضات وإمّعات و "شويّة هلافيت" إعلاميُّون تطاولت ألْسِنتهم رُغم تقزُّم أحجامهم وعلا صوت نُباحهم وقافلتنا تسير نحو "النّهضة" بينما تهوي هي عميقاً يوماً بعد الآخر في حُفرها التي لطالما حفرتها لنقع فيها، إذ ولّى زمان إدارة خدّنا الأيسر لنتلقّى لطماتها الغادرة على الأيمن.

وتموت مِصر كل يومٍ ألف مرّة وهي تضرِب بأُصول وقواعِد الدبلوماسيّة بين الدُّول والشّعوب عرض الحائط، لا تحترم ميثاقاً ولا تُراعي إلاً ولا ذِمّة لجوار ولا تدّخِر أخاً ولا صديقاً ولاتَ ساعةَ مَنْدَمٍ، وهي تنهش مخالبها القذرة في من صدّقوا أنّها مِصر المُؤمّنة وما علموا أنّها مِصر البطلجة التي لا فرق فيها الآن بين رجل القانون وزعيم العصابة فاستحالت أُمنيات قاصديها مِن السُّودانيين للعلاج أو السّياحة إلى جحيم لا يُطاق وهم يقعون ضحايا عصابات رجال القانون ويرزحون تحت بلطجة القضاء المُرتشي الفاقد للنّزاهة، فيُلقى بهم في غياهب السُّجون والزّنازين لا لذنب إقترفوه سوى أنّهم يحملون معهم بضعة مئات مِن الدّولارات جُمع مُعْظمها مِن أموال الزّكاة والتبرُّعات والمُساعدات أملاً في شفاء مريض وذهاب عِلّة، وأضحى ذلك الواقع المرير الذي يُواجهه أبناءنا في مِصر نهاراً جهاراً في حملات مُنظّمة ومُمنهجة مِن الدّولة المصريّة الفاسِدة المُفْسِدة تِجاهنا دون غيرنا.

أفبعد كُل هذا ما مِن رجُلٍ رشيدٍ بيننا يعي أن هذه المِصر أصبحت حالة مُسْتعصية ميئوسٌ مِنْها لا أمل ولا رجاء في عودتها لحياتنا هذه وأنّها قد ماتت سريريّاً يوم أصبح همها أن يسري سُمّها الزُّعاف في أوصال أُمّتنا الإسلاميّة والعربية والأفريقية تنفثه بكل حقد وحسد وتشفِّي وأنّه لا شفاء لها ولا سبيل لإنعاشها أو قيامها مِن نعشها المُتعفِّن لتتكوّر مُومياءاً فرعونيّة مُحنّطة ومُنْحطّة نحكي عنها لأجيالنا وهي مُسجّاة في متحفها الفرعوني تحُفّها اللّعنات من كُل صوب وحدب.


 0  0  1361

جديد الأخبار

الصحافة: ضبط 75 متهم بالاتجار بالبشر والتهريب بالبطانة البشير وديسالين : ارادة..

التعليقات ( 0 )