• ×

09:58 مساءً , الجمعة 22 سبتمبر 2017

علاء الدين يوسف علي
بواسطة  علاء الدين يوسف علي

ألْغاز أزْمةُ الغَاز

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
والأُولى في العُنوان أعلاه لمِن لم يُسْعفه التّشيكل الذي اعتلاها بما تعني وأرمي إليه فهي جمع "لُغْز" أما الأخيرة فهي لِغاز المنازل وأسْطوانته التي انْعدمت تماماً في محال بيع الغاز بالأحياء والأسواق وتكاد طيلة الأيام الفائتة لا تجِد محلّاً مفتوحاً مُباشِراً لعمليّة بيع واسْتبدال الأسطوانات المُعْتادة.

لم تختفي أسطوانات الغاز المُمْتلئة فقط بل إخْتفى معها أصحاب المحال في ظُروف غامِضة، وعن تجْرُبة شخصيّة طيلة أيّام شُح الغاز وانْعدامه بالعاصِمة كُنت أجول بين المحلّات باسْطوانتي الواحِدة التي أعْتمِد عليها وزوْجتنا المصون في أعمال الطّهي المنزلي أملاً في أن أظْفر بأُخْرى تشتاق أن تنْفُث ما بداخلها مِن غاز في مُقايطة مَدْفوعه القيمة بأخْتٍ لها أفْرغنا ما في جوفها حتّى آخِر رمقٍ لها ولا يزال "بوتجازنا" مُخْتنِقاً لا يتنفّس حتى نُسْعفه بأُخْرى.

بدأت رحلتي في اليوم الأوّل بعد انْتهاء دوام العَمل مُباشرة إذ كُنت قد وضعتها في حقيبة السيّارة الخلفيّة صباحاً قبل مُغادرتي للمنزل، ظننت في بادئ الأمر أن جولتي ستقتصر على ما لن يتجاوز ثلاثة لأربعة محلّات ولن أحتاج لوقتٍ بدل ضائع أقطع فيه الفيافي والوديان ويمدُ لي خلاله المُؤشِّر الضّوئي لخزّان وقود السيّارة لسانه مُنبِّهاً إلى قُرب نفاذِه هو الآخر، وما أثار حيرتي وانْتباهي إغْلاق مُعْظم المحال لأبوابها واْختفاء أصحابها تماماً ومن بقي في محلِّه تجده جالساً خارجه مُغلقاً بابه بالضّبة والمفتاح وحينما تسأله عن أُسطوانة غاز يُجيبك باقتِْضاب وحَسْم "مافي وما تفتِّش".

عُدْت أدراجي بخُفيّ حُنين دون غاز لكِن عُدّة ألغاز كانت تدور بخُلْدي وتمحوْر حولها اهتمامي تلكم اللّيلة مع أسئلة حيرى عجزت عن أن أجد لها إجابة، ليست هذه المرة الأُولى التي ينعدم فيها غاز المنازل لكِنّها المرّة الأُولى رُبّما التي ألحظها أنا وتجد فيها كُل المحال مُغْلقة تماماً فيا تُرى ما السّبب؟ ظلّ هذا السُّؤال بخاطري حتى بدأت جولة أُخرى عابرة صبيحة اليوم التّالي لبعض المحال التي مررت عليها بالأمس وهي في طريق ذهابي للعمل وكنت أقصد محلّاً بعينه كان قد اسْتبدل لي أسطوانتي لشركة أُخرى غير مُحبّذة لانحسار كميّة إنتاجها وإنحصار رُقعة توزيعها، في آخر عمليّة اسْتبدال ووعد بإرجاع أسطوانتي الأصلية التي تتبع لشركة ذات إنْتاج وفير وانْتشار واسِع، فوجدتّه كذلك مُغلقاً فسألت صاحب بقالة يُجاوره عن صاحب المحل فأجابني بفظاظة وعدم ارْتياح لسُؤالي "الزّول دة أنا ما بعرفو وناس المحل ديل ما عندي معاهم أي علاقة" قُلت له "ياخي أنا والله ما عايز مِنُّو غاز بس عايز أرجِّع أسطوانتي القديمة بتاعت الشّركة الفلانية ما أكتر" فما كان جوابه الثّاني والأخير بأفضل مِن الأوّل وهو يتظاهر بانشغاله بتحويل رصيد لزبون أمامه ويقول لي دون أن يرفع نظره عن شاشة هاتف تحويل الرّصيد "ماعارف .. ماعارف"، شعرت بحنقٍ شديد ونوع مِن "الإسْتغفال" و "الإسْتهبال" مِن صاحب البقالة لكن "أكلتها في حناني" وأنهيت جولتي العابرة مُتوجِّهاً نحو عملي، وبنهاية الدّوام عُدت إلى ذات المَحْل وأنا كمن تأبّط شرّا وفي مخيلتي قِصْة صديقنا فهد العنْزي مُحصِّل شركتنا بالمملكة العربيّة السُّعوديّة إبان فترة عملي فيها حينما أعيته الحيلة مع زبون للشّركة واسْتنفذ كافة سُبل ووسائل الإتِّصال والتتبُّع للرّجُل المراوغ فما كان منه إلا وأن عقد العزم وحسم أمره بأن توجّه لمنزل الرّجُل وطرق الباب ليأتيه الجواب المُعتاد "إيش تَبي؟" فيرد "أبي فلان يا طويل العُمر" فيكون الرّد المُعتاد "ماهُو بفي" أي غير موجود، فما كان مِن فهد العنزي إلا أن قال لمُحدِّثه عبر جهاز "الإنتركوم" الصّوتي "ولا يهمّك ترى ما ورانا شي" ليتّجه صوب دابّته الـ GMC ويُخْرج مِن بابها الخلفي سجّادة عربيّة و "صوفة" أو "مَسَند" بلُغتنا و"سيرمس" شاي و "دلّة" قهوة ويفرش سجّادته أمام باب الرّجُل ويضع "مسنده" ويتكِّئ عليه بعد أن بدأ في صب الشّاي وارّتشافه في تلذذ مَن طاب له المقام، ليُسْقَط في يد صاحب المنزل المُراوغ فيخرج حانِقاً مُسْتسلِماً لقدره ويقوم بسداد ما عليه.

نعم هذا ما قرّرته وحسمت أمري عليه أن أُطبِّق الخُطّة "العَنْزيّة" بحذافيرها فقصدت المحل المعني ولحُسْن حظي وقبل أن أشْرع في تنفيذ محاورالخُطّة إذا بي وأنا أمام محل الرّجل ألمحه في الجّانب الآخر مِن شارع الأسفلت قُبالة محلّه "يشرِّك ويحاحي" مِن بعيد ويتمطّى ببلاهة مُشبِّكاً يديه مِن خلف ظهره، فسارعت بمُنادته وأنا أكاد أصرخ بفرحة إنشْتاينيّة "وجدّته وجدتّه" لكِن سُرعان ما لم تكتمل فرحتي حينما عاجلني الرّجُل بردِّه مِن الجّانب الآخر "يا زول أنا النّاس ديل ما بعرفم وخلّيت الشُّغل معاهم" ضِحكت في دواخلي وتيقّنت أنّه يكذب ولابد مِن مُعالجته سريعاً بما لا يدع له مجالاً لمزيد مِن المُراوغة فقُلت له مُؤشِّراً بيدي "كدي تعال تعال خليني إتفاهم معاك" وحينما همّ بقطع شارع الأسفلت وقبل أن يصلني كُنت قد أخرجت أُسطوانة الغاز الفارغة مِن سيّارتي ووضعتها تحت قدميه عند وصوله وقُلت له بلهجة حاسمة "شوف يا زول دي أنبوبتك وإنت أدّيتني ليها المرّة الفاتت وبدّلتها لي بي شركة تانية وما عندي معاك أي مُفاهمة تشيلا هسِّي وبُكرة بجيك ترجِّع لي حقّتي وأدّيني رقم تلفونك هسِّي دة" وحتى لا يخدعني برقمٍ خطأ أخرجت هاتفي وقُلت له "إتّصل على رقمي دة الآن" وقد كان، فأظهرت شاشة هاتفي الجّوال رقمه وقمت بحفظه وتركته مُنْدهشاً مِن هجومي الكاسِح عليه فما وجد غير الإسْتسلام ووعد بإرجاعها والإتِّصال عليّ لاستلامها، ويا سُبحن الله بعد أقل مِن ساعتين يتّصل هذا الأُلعبان ويطلب مني أن أعود لذات المكان "بعد المغرب" وأطرُق باب بيت العزابة الذي يُجاور محلّه وكانت المُفاجأة الأُولى أن من فتح لي الباب كان صاحب البقالة الذي أنكر معرفته بجاره صحاب محل الغاز ليتّضِح أنّهم يسكنون في بيت "عزّابة" واحِد فياللمهزلة والكذِب..!! والمُفاجأة الثّانية كانت في وجود شاحنتين ماركة نيسان "دفّار" تقفان أمام المنزل وعُمّال يقومون بعمليّة رفع وتفريغ لأسطوانات فارغة وأخرى مليئة ما بين "الدفّارات" والمنزل، يعني أن صاحب المحل أغلق محلّه وحوّل تخزين أُسطوانات الغاز إلى منزل "العزّابة" ولا يقوم بعمليّات البيع إلا تحت جُنح اللّيل وبعد غياب الشّمس ومن المنزل لا من المحل !!!!!؟ وقبل أن ألتقي بمراوغي إذا بسيّارة تقِف وتخرج مِنْها فتاة ووالدتها فيما يبدو فأجْرت إحداهُن اتّصالاً هاتفياً يبدو أنّه مع أحد من بداخل المنزل لتخرج لهما في أقل مِن دقائق أُسطوانة غاز وفي سُرعة شديد وعلى طريقة البيع في السّوق السّوداء تُفْتح حقيبة سيارتهما ويقوم أحد العُمّال بوضع أسطوانة مليئة ويُنْزل الفارغة ويسْتلم "المعلوم" في سرعة ويعود أدراجه للمنزل وتنطلق السيّارة الظّافِرة بالغاز وأبدأ أخيراً في حل شفرة الألغاز التي كانت تُحيِّرني، فالغاز يُباع في السّوق الأسود ويتم خارج المحال بعيداً عن كُل "مَن هَبّ ودَبْ" مِمّن هُم على شاكلتنا ليحظى بها من يقبل أن يدفع المبالغ التي يشترطها أصحاب المحال بعد الإتِّفاق عن طريق الهاتف ثُمّ وبعد هذا يُحدِّثونك ملء الفيه عن الفساد وما علموا إنّما الأُمم الأخلاق ما بقيت فإن هُمْ ذهبَت أخْلاقُهم ذهبوا، وأخذت أنا في نهاية هذه القِصّة الحزينة أُسطوانتي فارغةً وذهبت ولا زالت حتّى اللحظة كُلّما قُدّت سيارتي تُصِّر على أن تُذكِّرني بوجودها وهي فارغة تُزمْجِر عند كُل مطب وحُفرة وما أكثر الحُفر التي نقع فيها ومن يحفرها لنا هُم ذات طبقتنا المحكومة مِثْلنا لا الحاكمة كما اتّفق، ولن يستقيم الظِّلُّ يوماً والعود أعْوج، ويا من تتحدّث عن الفساد لا تنْه عن فِعْلٍ وتأتي مِثْله عارٌ "علينا" إذا فعلت عظيمُ، وبارك الله في صديقي الذي أنقذني مُؤقّتاً مِن هذه الورطة بأن قام بتسليفي أُسطوانة غاز إحْتياطيّة كان يحْتفظ بها لنفسه، لولاها لكُنت الآن في أسواق العِدّة أبحث عن "بابور جاز" أو "كانون فحم" مُحاولاً كما جاء في النُّكْتة إقْناع المَدام بأني أغار عليها مِن عُيون "البوتوجاز" لذلك أوْقفت اسْتعماله.


 0  0  1327

جديد الأخبار

الصحافة: ضبط 75 متهم بالاتجار بالبشر والتهريب بالبطانة البشير وديسالين : ارادة..

التعليقات ( 0 )