• ×

07:58 مساءً , الخميس 17 أغسطس 2017

مصطفى عبد العزيز البطل
بواسطة  مصطفى عبد العزيز البطل

شيخنا عبد الله على تخوم الاقتصاد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
mustafabatal@msn.com


(1)
يبدو انه قد اصبح لمعامل الاقتصاد القدح المعلى في حياتنا اليوم، ولا غرو فالاقتصاد عصب الحياة في السودان، ومؤخرا اصبح شريانها التاجي وبنكرياسها ورئتها اليسرى وكليتها اليمنى وخلايا دماغها. لا غرو إذن ان ترك شيخنا الدكتور عبد الله على ابراهيم مضاربه في مرابع الثقافة والفن والابداع والسياسة الشرعية والتاريخ السياسي، وهاجر الى حيث قبيلة الاقتصاد والسياسات النقدية، فرابط هناك بناقته يوما كاملا قبل ان يعود أدراجه الى شئونه وزاد شجونه.

وقد (أنشد) شيخنا عبد الله أمام رَبع الاقتصاد مقالة عصماء في هجاء القرارات الاخيرة التي اعلنها وزير المالية، جعل لها عنوانا (رفع الدعم: بندورة وعرفنا دورها)!

من بين ما لفت نظري في مقالة شيخنا عبد الله الشمخاء، بعد ان اعتمر عمامة الخبير الاقتصادي، تلك الحجة التي نهض بها في شأن رفع الدعم عن اسعار المحروقات بسبب تفاحش ظاهرة تهريب المواد البترولية لدول الجوار التي تزيد اسعارها عن اسعارنا، إذ تساءل الرجل: "وماذا لو ظلت الدول المحيطة، التي تتزود بوقودها منا عن طريق تهريب البترول السوداني اليها، ترفع هي بدورها أسعار محروقاتها، بحيث يظل التهريب مجديا في كل الأحوال"؟! وهو سؤال متين وسمين، وغاية في الوجاهة، لا يصدر إلا عن خبير اقتصادي فذ!

(2)
بيد انه استعصى عليّ ان ارى وجاهة مناظرة في دعوة شيخنا وخروجه علينا بشعار (الحكومة الرشيقة)، على وزن الحكومة الرشيدة، استنصارا بدعوى سابقة للخبير الاقتصادي الدكتور التجاني الطيب، وتقديمه تلك الاطروحة على انها يمكن ان تشكل البديل لسياسة رفع الدعم.

وفي الاصل فإن المصدر الأم لدعوى الحكومة الرشيقة هم سدنة الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة ويسمونها (Lean government). والفرنجة يقولون (Lean meat) وترجمتها: اللحم المشفّى، او اللحم الذي يتم سلخ الشحم والدهنيات عنه تماما فينتهي لحماً أحمرا نقيا. وإن كانت دعوات الحكومة المشفّاه او الرشيقة التي يلهج بها المحافظون في الولايات المتحدة واوربا تأتي في اطار فلسفي مغاير لدعوات دعاتنا المحليون الذين انضم اليهم شيخنا عبد الله.

ولكنني أجزم بأن المزاعم التي تذهب الى ان العائد المحتمل من تخفيض نفقات الدولة بتقليص عدد شاغلي المناصب العامة وامتيازاتهم الوظيفية، من سيارات وما أشبه، يمكن ان يوازي ويكون بديلا لخيار رفع الدعم وتحرير الاسعار زعم باطل حنبريت في أصله وفصله، لا يقول به كائن اقتصادي متمكن عاقر الارقام وعرف الحقائق، حتى ولو كان حبيبنا الدكتور التجاني الطيب الذي عمل لسنوات عديدة خبيرا في كبريات المؤسسات المالية الدولية، أبقاه الله ذخرا للسودان.

وتبقى الحقيقة النجلاء وهي أن الفارق مهول، بل ولا يقبل القياس اصلا بين الاطروحتين. وقد يدهشك ان تعلم، أعزك الله، أن الوفر الاقتصادي الذي قد ينتج عن طرد 50% من شاغلي الوظائف الدستورية من مواقعهم اليوم ربما يبلغ بالكاد 02% من اجمالي قيمة الدعم الذي رفعته الدولة عن المحروقات!

(3)
الأفضل لنا وللجميع ان نتحرر من الأوهام، وان نتحمل مسئولياتنا تجاه التحديات التي تواجه بلادنا. وان نجهد في سكة الوصول الى الاجوبة الصحيحة على الاسئلة الصعبة التي تلف الواقع الاقتصادي الذي نعيش في كنفه. وفي مقدمة هذه الاسئلة: لماذا لم يحقق البرنامج الثلاثي الذي انتهي في العام ٢٠١٤ أهدافه في سد العجز في الميزان التجاري الخارجي كما سلفت الوعود وكان الرجاء؟!

الاقتصاد علم رقمي لا يقبل الجدل ويتأبي على اللجاج، وحين تنطق حقائقه عن نفسها فإن علينا شأن اهل النهى والراشدين ان نتعامل معها كما هي. والحقائق تقول أن أسعار البترول انخفضت انخفاضا دراميا خلال تلك الفترة، بعكس ما كان متوقعا، وهوت من حالق، فهبطت من 160 دولارا الي اقل من 40 دولارا للبرميل. ثم ان أسعار الذهب انخفضت بدورها، فالمصائب لا تأتي فرادى، من خمسين مليون دولارا للطن الى 40 مليون وربما أقل من ذلك في بعض الاحيان.

يضاف الى تلك الابتلاءات اضطراب العلاقات مع دولة الجنوب التي يربطنا بها حبل اقتصادي متين، يعلمه الكافة، يتعلق به روح اقتصادنا. من بين ذلك العدوان الجنوبي الشهير الغادر على منشآت النفط في منطقة هجليج التي تضم اكبر الحقول السودانية، وهو العدوان الذي تم على ثلاثة محاور وكان من نتائجه تدمير اجزاء اساسية من المنشآت. ونحن نعلم ان نصف انتاج البلاد من النفط البالغ 115 الف برميل يوميا يتم استخراجه من تلك الحقول.

(4)
في ذروة هذا الواقع البئيس تجئ الاجراءات الامريكية المتواترة التي تشدد الحصار الخارجي وتسعى لتوطيد نظام العقوبات على السودان. وهو الامر الذي تسعد له دائما تيارات مقدرة من قوى المعارضة، حتى اذا ضاقت الحلقات على السودان واضطرت الدولة لشد الاحزمة، خرجت هذه التيارات خروجها المعتاد ببياناتها العكاظية المكرورة، تسدّ الجدران وتملأ المساطب في دويلات الفيسبوك وولايات الواتساب حول حدة الغلاء وأحزان الغلابى الى آخر المعزوفة، وشرعت تحث الشعب وتستنهضه للخروج الى الشارع واعلان الانتفاضة. سبحان الله.. لكأنها ساقية جحا، تغرف وتصب، ثم تعود لتغرف من ذات المصب!

اللهم هذا حالنا لا يخفى عليك. وهذا ضعفنا ظاهرّ بين يديك، فعاملنا يا رب بالإحسان، إذ الفضل منك واليك.


 0  0  1651

جديد الأخبار

الصحافة: مدير المساحة:وثائقنا تثبت سودانية حلايب اسرة فاطمة تعتذر عن تصرفات..

التعليقات ( 0 )