• ×

08:03 صباحًا , الخميس 24 أغسطس 2017

admin
بواسطة  admin

مبارك المهدي: ماذا جرى؟ (4)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
mustafabatal@msn.com

(1)
يرد ضمن صفحات كتاب (ماذا جرى: أسرار الصراع السياسي في السودان)، الذي دفع به الى المكتبة السياسية السودانية السيد مبارك المهدي، معلومات دقيقة عن ملابسات مذكرة القوات المسلحة الشهيرة التي وجهها القائد العام ورئيس الأركان الى رئيس الوزراء في فبراير 1989. او لعلنا نقول (الانذار) الذي تقدم به الرجلان باسم الجيش، حيث وردت في ذيل المذكرة عبارة تلزم رئيس الوزراء بتقديم رد مكتوب الى قادة الجيش (خلال فترة اقصاها اسبوع واحد فقط) وفقا للنص. وفي الأصل فإن المخاطبات لا تكون ولا تصدر على ذلك النحو الصفيق، غير الرفيق، إذا وجهتها سلطة تنفيذية أدنى الى سلطة دستورية أعلى إلا إذا كانت إنذاراً لا إعذار بعده!

سنأتى الى ما ورد عند المؤلف بشأن المذكرة، فالكتاب موجود على أية حال. حيروح فين؟ أما ما هو غير موجود فهو ما شهدته أنا شخصيا، كشاهد محايد وغير فاعل، خلال ذات الفترة التي كان فيها الحبيب مبارك عنصرا فاعلا ومؤثراً وصانعا مباشرا للاحداث.

(2)
كانت البلاد قد حبست انفاسها خلال الايام السبعة التي تلت تسليم الإنذار. وكنت وقتها، أداوم، مرابطاً بصورة يومية من باكر الصباح حتى بهيم الليل، بحكم مقتضيات العمل، أمام باب مكتب رئيس الوزراء. المعايش جبارة.

هناك شخص واحد وحيد في طول البلاد وعرضها لم يحبس الحدث أنفاسه، كما هو الحال مع بقية الشعب، وهو رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي نفسه. الدنيا تفور وتمور وتغلى من حوله كالمرجل ولكنه لا يغيّر او يبدل شيئا من معتاد برنامجه اليومي المألوف تجاه مباشرة مسئولياته الرئاسية، وكأن جديدا لم يطرأ على ارض الواقع السياسي. بيد أنه كان إذا أنسل من مكتبه واقتطع بعض الوقت للراحة في تلك الايام العصيبة انصرف الى شئ ظننته العجب العجاب بعينه!

هل تذكر، أعزك الله، كتاب (آيات شيطانية) للروائي البريطاني الهندي الأصل سلمان رشدي وفتوى الزعيم الديني أية الله الخميني بقتله؟ تزامن ذلك الحدث مع إنذار الجيش في السودان، ووصلت الإمام الحبيب نسخة من ذلك الكتاب. وفي الحقيقة فإنه لا يصدر كتاب ذي وزن في العالم إلا ووجدت نسخة منه بين يدي الإمام. وكان إذا غادر منضدة مكتبه بعد عناء الساعات الطوال، ذهب الى غرفة جانبية وجلس مع كتاب الآيات الشيطانية، يقرأ ويخربش بقلم الرصاص على بعض الصفحات، ثم يكتب في دفتره ردودا وملاحظات وتعليقات على متن الكتاب، وقد عزم فيما بدا لي على التصدي بالرد على تلك الرواية الفاجرة إحتساباً. فإذا أتى وقت الرياضة نهض لبس لامّتها نهض على عجل فحمل مضارب التنس او غيره من لوازم الألعاب الاخرى، ثم خرج الى ميادين الجري والقفز والتنطيط لا يلوي على شئ!

وتلك خصلة من اعجب الخصال التي يمكن لك، أعزك الله، أن تعرفها عن هذا الرجل. إذ خلقه الله متجرداً من الانفعالات والاشتعالات النفسية، فهو لا يغضب ولا يثور ولا يضطرب ولا يرتبك. كل شئ عنده قدر مقدور. يذكرني بالجنرال غردون الذي قيل له عند حصار الخرطوم ان الشائعات تسرى في المدينة أنك قلق ومضطرب، فرد على محدثه: "قل لجميع من في الخرطوم ان غردون لا يخاف فقد خلقه الله منزّها عن الخوف"!

(3)
كنت أنا الشخص الذي تلقى وكُلف بتسليم الرد الرسمى الذي صاغه رئيس الوزراء على مذكرة قيادة الجيش الى القائد العام. كان ذلك في الخامسة من مساء اليوم السابع والاخير للإنذار المعلن. تداولت مع صاحبي المنصور عمر المنصور، نائب مدير عام مكتب رئيس الوزراء، لبرهة بغرض استبانة بعض التفصيلات الاجرائية، ثم توجهت الى القيادة العامة. هناك تم ابلاغي بأن القائد العام غير موجود. قلت لهم اذن هو في منزله فأكدوا لي انه ليس هناك. ولكن احدا في القيادة لم يشأ ان يدلنى علي مكان وجوده. بيد أنني تمكنت في نهاية المطاف من معرفة المكان!

رفضت تسليم خطاب رد رئيس الوزراء على انذار الجيش الى سكرتارية القائد العام، فدخل القوم على قائدهم، ثم عادوا فأدخلوني اليه. وقف ليستقبلني بوجهه الأبيض القسيم. كان أول ما خطر ببالي عند رؤيته هو انني أمام مهراجا هندي علقت صورته بذاكرتي منذ شهدته في فيلم سينمائي قديم لفرانسيس كابولا. كان المغفور له الفريق فتحي احمد على يرتدي روب دي شامبر أحمرا فاقعا. وبدت عليه وعلى المكان كله معالم الدعة والتنعّم وبلهنية العيش. أما المكان فهو هو الجناح الخاص بالقائد العام في نادي ضباط القوات المسلحة.

حياني وحييته ثم سلمته الخطاب. طلبت منه بعدها التوقيع بالاستلام ففعل بعد ان حدجني بنظرة سريعة لم استبن منها شيئا محددا وان كان الاحساس قد انتابني انه لم يرتح لذلك الطلب، ولا ألومه، إذ لا يجوز ان يطلب احد من القائد العام للقوات المسلحة التوقيع بالاستلام وكأنه موظف استقبال، أو كأنه يمكن ان ينكر الاستلام في وقت لاحق. ولكنني والحبيب المنصور عمر المنصور كنا قد اتفقنا على ضرورة الحصول على مستند يفيد باستلام القائد العام شخصيا للخطاب.

(4)
ما غاب عني من حكمة وأسباب وخلفيات انتقال القائد العام للاقامة بنادي الضباط وجدت الحبيب مبارك المهدي وقد ألقى عليها أضواءً كاشفة وفصلها تفصيلا في كتابه. جاء في الصفحة 44: (بعد تقديم المذكرة استعصمت هيئة قيادة القوات المسلحة بنادي الضباط، حيث قاموا بالاستعداد تحسبا منهم لحدوث اعتقالات في اوساطهم كرد فعل للمذكرة، فذهبت اليهم بنادي الضباط بصحبة الدكتور عمر نورالدائم، وتناولنا معهم العشاء، وقلنا لهم متسائلين: لماذا انتم متمرسون هنا فخطوط الحوار بيننا وبينكم مفتوحة، واذا كانت لديكم قضايا فيمكننا مناقشتنا بصراحة ووضوح).

إذن القائد العام وكبار الضباط اختاروا الاعتصام بمقر النادي، بدلا من منازلهم، خوفا من الاعتقال. بالله شوف! هذا على أي حال رأي او تحليل الحبيب مبارك، وهو مصيب في أغلب الظن. ويبدو ان قادة الجيش كانوا محقين في تخوفاتهم فقد اكد مبارك المهدي وقطع في موقع آخر من الكتاب بأنه كان هناك اتجاه عند جانب من القيادة السياسية يرى التعامل مع المذكرة باعتبارها تمردا صريحا، ويلح على ضرورة اتخاذ قرار بإعفاء هيئة القيادة بكاملها.

(5)
غير أنني وجدت من اكثر الإفادات إثارة للانتباه والدهشة ما أورده مبارك المهدي من أنه أخذ ميثاقاً من المغفور له الفريق فتحي احمد على القائد العام، وأن الفريق فتحي أقسم أمامه بأنه لن يقوم بانقلاب عسكري!

(نواصل)


بواسطة : admin
 0  0  1027

جديد الأخبار

الصحافة: ضبط 75 متهم بالاتجار بالبشر والتهريب بالبطانة البشير وديسالين : ارادة..

التعليقات ( 0 )