23-02-2014 06:57
عبث..!
23-02-2014 06:57

مشهد من سخرية الأقدار وعبثية السياسة في السودان.
حينما كنا نغادر فندق ريدسون بأديس أبابا، بعد تعليق مفاوضات الحكومة السودانية مع متمردي الحركة الشعبية، في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وعلي بوابة الفندق ـ المتوسط الأناقة ـ وبينما كان المتفاوضون في طريقهم للخروج؛ إذا بفرقاء دولة الجنوب المنفصلة عن السودان، يدخلون إلي ريدسون لإسئتاف مفاوضات عبثية ـ مكتوب عليها الفشل قبل أن تبدأ ـ لإيقاف الحرب القبيلة المشتعلة في ثوب الدولة الجديدة.
مفاوضات حكومة جنوب السودان والمتمردين عليها بقيادة نائب الرئيس السابق دكتور رياك مشار، تتم في ذات الفندق (ريدسون) وتستضيفهم ذات القاعات وتأويهم نفس ارغرف، التي حفظت حوائطها اسرار الوفود السابقة..!
مجموعة عقد الجلاد الغنائية تغني في فضاء الأزمة السودانية المركبة، علي أضلاع:
(المناظر هيّ زاتا
الصور نفس المشاهد
الشوارع والبيوت
الاماكن والمقاعد
والزمان ثابت مكانو
والرقم اللسّه واحد)!

الجينات هي الجينات، تحمل ذات الامراض، وإخوة كرامازوف (الإخوة الاعداء) بنفس الملامح والشبه والنهايات، علي ذات الطريق: حمراء قانية!.
دولة تنقسم علي نفسها بعد حرب تعتبر الأطول في تاريخ الحروب المعاصرة.
تنقسم علي نفسها بحثاً عن السلام، وقبل ان تجف دماء الخارطة، إذا بالحروب تندلع في الدولتين: في الدولة الوليدة والدولة الأم وفي خاطر المساكين البسطاء.
وإذا بالجراح في الدولتين تغني للخنجر ،والاطباء بلا حدود ورجال الإطفاء بلا ماء، والساسة لايمسهم سوء ولاينالهم نصب، ولا وصب، وحدهم المواطنون يدفعون فواتير الحروب من دمائهم.
تعبان دينق بالمطعم السوداني باديس أبابا، ببزة رمادبة انيقة، علي مائدة عامرة بأطايب الطعام، والأسافير تنقل صور القتلي بولاية الوحدة تأكل لحومهم الطير ، و150 فرداً من الأطفال والنساء وكبار السن يهربون من جحيم الحرب، فتبتلعهم مياه النيل، ولقمة علي حلق تعبان تستنجد بجرعة ماء للعبور.
وفيلسوف ألماني يلخص الدرس ببراعة فائقة: ( التاريخ هو مجموعة من الأشياء التي كان يمكن تفاديها).
هذا هو نموذج التغيير السائد في المنطقة الإفريقية، لا ياتي عبر أصوات المواطنين؛ ولكن عبر جثثهم المسافرة إلي الآخرة علي بريد الرصاص.
تغيير مؤقت ريثما يقوي المهزوم، ويستقيم عوده، ليرد الكّرة بِمثلها.. الجميع في دائرة من العنف المُغلق، ومفاوضات الباب الدوار التي لاتنتهي إلي شئ!.
إنها الرغبة في التغيير الثوري الفوري الدموي الذي ياتي علي حساب الشعوب، ليحقق أحلام المغامرين المترفين..!
حروب لاتنتهي إلا لتبدأ من جديد، نخب سياسية شديدة الانكفاء علي مصالحها وضعيفة الإحساس بأوجاع مواطنيها.
كما الحروب لاتنتهي كذلك مفاوضات الباب الدوار تقودك علي ذات الطريق، الذي سلكته قبل قليل، نقطة البداية هي ذاتها نقطة النهاية، والدخول لقاعات التفاوض يتم عبر بوابات الخروج.
ولا أحد منهم يعي أن الصراع السياسي إذا لم يحتكم إلي الوسائل والأساليب السليمة، والتعابير النظيفة؛ فهو أقرب طريق لصناعة المأساة .
والسياسة كما يقول الحكماء عنها، هي فن تجنيب الشعوب الكوارث والازمات التي تفضي للمآسي والاحزان.


تعليقات الفيس بوك

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في facebook


ضياء الدين بلال
ضياء الدين بلال