26-02-2014 07:12
أوكرانيا... وذكريات حمراء من الخرطوم
26-02-2014 07:12

كييف أتابع الذي يجري فيها من الفضائيات لم أزرها ولم أطمع بل لم أفكر ولسبب خاص تستهويني متابعتها, ترعرنا في منطقة بري المحس وهي من الأحياء التي عرفت بنشاط جم وكبير للحزب الشيوعي فيها منذ أمد وكانت البراري جميعا من دوائر "القوى الإشتراكية" التي تفرز النواب وقيادات الشيوعيين.
اتفرس في معالم العاصمة الأوكرانية كييف و اتطلع لوجوه " الأكارنة" في الطرقات وتقفز صور من الطفولة تجرني إلي هذا البلد.
بطاقات أنيقة من صور البوستال يضمها مظروف أنيق بألوان مختلفة منها الأزرق و الأحمر وغيرها خصص كل لون منها لواحدة من المدن السوفيتية وتضم حوالي الشعر صور غاية في الروعة والجمال وروعة التصوير خاصة في مواقع خلابة ومشاهد تاريخية ذات مغزي ومعني.
هذه الصور الجميلة كان لي معها قصة وقصص، كنا من أسرة عمادها من أعمدة الحزب الشيوعي وفي حدة الاستقطاب السياسي والحزبي كان للوالد والوالدة والأسرة حظ من هذا الصراع شهدنا مره وحلوه غليظة وفظه.
لا اعلم الأسباب التي تحول بها ذلك التجمع إلى ميدان للصراع وقذف الحجارة والهروب و الصراخ ولكني أذكر أن ذهبنا إلى ميدان فسيح بمنطقة بري اللاماب واسمع أن ثمة ندوة والناس في هرج ومرج ونحن نلعب على الأرض المغبرة إذا بالحابل يختلط بالنابل وأجد نفسي محمولا بين يدي الوالدة وهي تهرول باتجاه المنزل، ثم علمت بعدها وسمعت أن القوى "الرجعية" هي التي هاجمت الندوة وأمطرت الجمع بالحجارة.
وبعدها بأيام وقفت سيارة كبيرة أمام المنزل و أنزلت العديد من جوالات الخيش تحمل كميات كبيرة من الكتب والأوراق والملصقات ، وضعت هذه الكميات بغير نظام في "زقاق" خلفي بالمنزل الصغير أصلا، قبعت هذه الكتب أياما دون أن نمسها أونعرف بالتحديد ما تحتويه حتى كانت تلكم الليلة الليلاء.
صراخ بصوت هلع ومرتفع أيقظني من النوم و تبين أنه صوت أمي تستغيث بنا أن استيقظوا و قبل أن نقف تماما وتزول عن أعيننا غلالة النوم والنعاس تحولت الغرفة وكأنها غرفة فرن وسرعان ما انطلقت نيران لهيب حار عبر النوافذ.
وبعد خروجنا السريع إذ بالنيران تزداد من الزقاق حيث الكتب ليجتمع السكان من الجيران ومن ثم الأهل لتنطفئ النيران ولا يهدأ الحال. وأيضا سمعت أن القوى الرجعية هي التي قامت بحرق مكتبة الحزب التي جلبها الوالد لتخبأ أو لتحفظ في زقاق منزلنا.
وألقي القبض على واحد من الجيران له بسطة في الجسم وقيل به أيضا مرض وقد استخدم في هذا العمل ليطلق بعدها بايام.
هدأت أفرازات حرق المنزل وسكن الحديث عن المكتبة والجوالات والتي احترقت منها كميات وبقيت منها أعداد ليست بالقليلة.
وبشقاوة الأطفال وحب الاستطلاع بدأت وأخوتي الصغار فتح بعض من هذه الجوالات ووجدنا الكثير من الكتب التي لم نعرف عنها شيئا ولم تكن جاذبة لنا وإنما جذبتنا تلكم الأظرف الكبيرة التي تحتوى كل واحدة منها على عشر صور جميلة وخلابة وأخذت منها القليل لأجد أنها تصور المدن السوفيتية والعديد من المواقع التي تعرفنا عليها شيئا وشيئا من السؤال والفهم القليل من الذي طالعناه.
الأوراق دعاية من الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي ومدنه وبلدانه والتطورات فيه، أهديت منها لبعض الأصحاب وأعجبوا بها غاية الإعجاب وأخذوا يطلبون المزيد.
وكنت أفهم أن المكتبات مما يباع فيها الكتب ومنها جربت وبدلا مما أعطي الأصدقاء صدقة منها جربت أن أبيعهم مما أحمل من صور خاصة وأنها من النوع المعد لإرسال الرسائل البريدية..
ووجدت سوقا رائجة حتى تجاوزت الواحدة من المظاريف ذا العشر صور القرشين وبعضا منها قارب الشلن.
تحصلت ما لا في حساب الأطفال ليس بالقليل يتيح لعبا ونزها و أغراني أن هذا الذي أبيع منه لم يعد مما يهتم به بعد الحريق الذي ألم بالمكتبة والدار. بيد أن كييف ولينغراد أضحت من الأسماء التي اختنزنتها الذاكرة الغضة الصغيرة وإلى اليوم.
وتجولت بين أصابعنا صور لمدن أخرى وشخصيات أكثر ماجذبتنا منها صورة التمثال للرجل صاحب اللحية الصغيرة ولرجل ملتحي اخر أيضا وهي صور كانت تثير إعجاب الكبار أبي والأصدقاءمن الحزب.
تبينت أنها صور للبنين وماركس وانجلز وغيرها من الأسماء ومواقع أخرى فيها جمال و يزيده جمالا التصوير وروعة المناطق بزهورها ومياها ومبانيها الشامخة.
هذه المكتبة لو كتب لها أن توزع جميعا لوفرت كسبا لا يقدر للحزب وكأنها كانت تقول بالنظر إليها أكثر مما يقال بالصوت في ندوة أو مهرجان.
عشرات السنوات ولا تزال كييف ترجع صدى الأيام حلوة وتعيد نكهة وريقات كنا نلمسها ونراها ولا نري مثلها من أوراق في محيطنا وفي مدرستنا وفي المكتبات التي نشتري منها مايتوافر من مجلات سودانية ومصرية وكتب مغبرة.
أفلح الحزب في دس دعاية ماهرة في عقل غض وذاكرة بكر ولو أنه أفلح في أن التحق بتلكم البعثات التعليمية لكانت هذه الذكريات بلون وطعم مختلف لربما زادت عليها قوة الانتماء وعمق الفكرة.
استقطاب حاد
بالمناسبة وجود الحزب الشيوعي السوداني في البراري وفي دارنا فيه العديد من المحطات التي تستحق التوقف عندها ولي صور متباينة ومشوقة من الذي عايشت ورأيت وسمعت، عندما كبرت وجدت أن أبي وشقيقه الذي ينتمي إلى الأخوان المسلمين في خصومه كبيرة ال يسلم أحدهما على الآخر، وسألت وعلمت أن السبب هذا الإنتماء المتباين.
كنت أفهم شيئا مما يقوم عليه الشيوعيون من فكر وأفهم أيضا وأكثر ما يقوم عليه الإخوان المسلمين وما رأيت سببا لخصومة أشقاء.
وبعد مشاورات وتداول وبحث تمكنت من إنهاء خصومة لربما فاقت عمري.
عزمت وتوكلت وسألت أبي سؤالا مباشرا لماذا تخاصم أخاك؟ قال أنا لا أخاصمه بل هو الذي يفعل فقزت إلى سؤال المهم عندي: طيب هل يمكن أن تصالحه؟ قال يمكن وأنا أساسا لم أبدا بخصومة.
وذهبت بذات السؤال إلى عمي حيث تلقت ذات الإجابات.
أضربت عن مناقشة التفاصيل والمسببات فقط أعددت شايا وما يؤكل معه من لقيمات ودعوت بعض الأهل ثم تقشعت سحابة تراكمت على علاقة الإخوة زمنا ومن بعد صار من المعتاد أن تراهما معا في أنس عميق.
صلاة وذكران
رأيت عددا من الزملاء يصلون بصورة مميزة و مستمرة ومنهم من يأتي فعلا لم أجده متسقا مع هذا، بيد كرام يداومون على الصاة وتعجبين الوالدة العظيمة سكينة عالم وهي تقرأ الماركسية وتعلم الناس التجويد في المسجد.
بيد أن ذلكم الشاب الذي كلف أن يحولني عن توجهي كنت أسمع منه ما لا استطيع أن أتقبل خاصة في حديثه فتنة إذا أعدناه اليوم ولكنه يضع ما يمكن أن نفهمه في تيارات وتوجهات كانت قائمة حينها.
كييف تصطرع على السلطة وتعيد ذكريات في حي، ليس بينه وبينها من شئ بيد، أن في الحي ناديا كوريا وليت من عايش ويعلم أن يتحفنا بسبب تسمية نادي كوريا بهذا الاسم.


تعليقات الفيس بوك

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في facebook


راشد عبد الرحيم
راشد عبد الرحيم