02-04-2014 11:12
خلي عندك ذوق
02-04-2014 11:12

ولا أرى في كل الدنيا من هو مجنون مفتون بالشعب السوداني الذي أقسم بأنه هو خير أمة أخرجت للناس.. يدهشني فيه ذاك الذوق الوسيم الذي يتفجر باهراً ومضيئاً من سلوكه المهذب.. صحيح وكما قال ذاك النوبي الفصيح مرسي صالح سراج «نحن في الشدة بأس يتجلى».. ولكننا اليوم لا نكتب حرفاً واحداً عن الرجالة والبسالة بل نمشي حفاة في محراب إبراهيم الرشيد وهو يشدو «يا سليم الذوق أنزل من علاك الفوق».. و«من الله ما خلقكم» هل سمعتم أغنية واحدة عربية كانت أو عجمية وهي تصف الحبيب «بالمهذب» هذا ما ابتدعه واخترعه علي محمود التنقاري، وشدت به الفلاتية و «أنا بحبك يا مهذب امتي ترحم قلبي المعذب»..

ولأن الشعب السوداني هو روضة وحديقة من «الذوق» تظل فيها حوادث «عدم الذوق» نادرة ندرة لبن الطير.. ويؤرخ لها في سِفر التاريخ لشذوذها وغرابتها ومجافاتها لطبيعة الشعب السوداني الغارقة في نهر عسل الذوق.

طافت بذهني كل هذه الصور وصورة من عدم الذوق ظلت عالقة بل مطبوعة في مؤخرة «مخي» تكاد تعصف به عصفاً وتفجره تفجيراً..

قبل أشهر كنت في زيارة مريض في مستشفى أم درمان وإذا بي أجد حفلاً تقرع فيه الطبول وتتدفق فيه الموسيقى وتصخب فيه «الأورغنات» وتكاد «تطرشق» فيه الساوند سستمات من دوي الأناشيد والهتافات.. كانت المناسبة هي افتتاح قسم أو أقسام في المستشفى وكان الحضور يتقدمه مسؤول انقاذي رفيع.. الذي أدهشني وأبكاني وزلزل كياني إن هذا الحفل أقيم تماماً أمام عنبر العناية المكثفة والتي يدخلها حتى الأطباء وهم حفاة أو بأحذية لا تحدث حتى صوتاً خافتاً رحمةً بالمرضى الذين يحتاجون إلى الهدوء أتذكر ذلك وأتذكر الوطن عندما كان متحضراً ومنضبطاً وانسانياً إنه حتى المدارس وليس المستشفيات وحدها كانت هناك لافتات مكتوب عليها «ممنوع استعمال آلة التنبيه» هناك مدرسة أو مستشفى..

تلك صورة من عدم الذوق وللذي أحدث تلك الفوضى أقول له «خلي عندك ذوق»..

واليكم «عدم ذوق» ارتكبته في بلادة وإهمال ظل عالقاً بذهني وما زلت حين أذكره أعوم في عرق خجلي..

كان ذلك في ليلة حفل زواجي الذي كان في يوليو 83.. وكان فنان الحفل هو الامبراطور الساكن بين ضلوعي «وردي».. في تلك الأيام أي عام 1983 كانت «مايو» تترنح وبات النصر وشيكاً.. كان صدري يحتشد بالثورية التي تغلي لتصل حواف التهور.. أذكر جيداً وقبل أن يبدأ وردي الوصلة الأولى بل حتى قبل أن يصعد إلى مسرح الحفل.. اندفعت إليه كالسيل في غرفة كان يتوسط فيها فرقته الماسية.. وجهت «أصبعي» إليه في «قلة أدب» وانطلقت الكلمات من فمي كطلقات مدفع.. قلت له في بلادة وإهمال وصوتي يدوي كما الرعد..«يا أستاذ أنا ما عايز أغنية واحدة عاطفية..عايز كل الحفل أناشيد ثورية» هنا انتفض الامبراطور وكأنه الاعصار ثم إنفجر قائلاً «شوف أنا ما في زول في الأرض يقول لي غني شنو وما تغني شنو..!! حتى الزول ده لو كان «العريس» الذي هو أنت شخصياً ثم تاني هي حفلة وللا ليلة سياسية.. ثم يآخي ما ذنب الذين جاءوا ليشاركونك المناسبة.. يآخي خلي عندك ذوق»..

وقصة أخرى من «عدم الذوق» ورجل دين ملتحي كان وسط الناس في مناسبة عقد قران.. رغم سحب الفرح وهي تظلل المكان فقد كان الرجل صارماً مقطباً وجهه وبعد عقد القران توجه والد العروسة إليه متوسماً فيه الخير قائلاً له يا مولانا أتلو علينا آيات من كتاب الله ليبارك الله في زواج هذين العروسين.. تنحنح الرجل وقرأ على الحضور سورة الطلاق.. بالله ده عنده ذوق؟؟



تعليقات الفيس بوك

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في facebook


مؤمن الغالي
مؤمن الغالي