14-08-2014 10:09
توقعات خائبة!
14-08-2014 10:09

(من الأفضل لك أن تغلق فمك، وتترك الناس يعتقدون أنك أحمق، من أن تفتحه وتمحو كل شك).
مارك توين
كاتب صحفي أمريكي.
-1-
متغير طبيعي بهذا الحجم، يجعل الخرطوم لا فرق بينها والمدن الاستوائية، ويقارب كميات المياه بين شندي والرصيروص، ولا تجد له أدنى مؤشرات لدى خبراء الإرصاد وعلماء الجغرافيا في بلادنا؟!
توقعاتهم لهذا العام، أن الأمطار ستأتي أقل من المعدل، فإذا بها تتجاوز كل المعدلات التاريخية.
استسمحك عزيزي القارئ، لتطَّلع على ما كتبناه في خريف العام الماضي، تحت عنوان (الإرصاد كلام فاضي) لتشعر بعمق الأزمة في ذلك المرفق الحيوي، الذي على توقعاته تُبنى كثير من السياسات:
(لمدة أربع سنوات، تأكد للجميع فشل هيئة الإرصاد في التوقعات الخريفية، في ثلاثة مواسم، بشروا بخريف ماطر، فجاء أدنى من المتوسط. في هذا الخريف قالوا سيأتي أقل من الأعوام السابقة، فإذا به يأتي كاسحاً ومدمراً..
كنت قبل شهرين ضيفاً على برنامج الصديق/ خالد ساتي (صالة تحرير) بفضائية أم درمان، وكانت هنالك مداخلة لمسؤولة التوقعات بهيئة الإرصاد، والتي اعتذرت عن خبر ورد بالصحف، يفيد بأن أمطار هذا العام ستكون غزيرة ومتفرقة، وصحّحت الأستاذة الخبر مصحوباً بأسف، لأن الصحيح "الأمطار ستكون أدنى من المتوسط"!!
هذه ليست دعوة لتسريح الهيئة والاستفادة من مقارها، ولكن ربما الخيار هو اعتماد نقيض توقعاتها، لأن في ذلك دقة متناهية).





-2-
كثير من أقدار السودان ومآلات أوضاعه تحددها الطبيعة.
إذا شحَّت الأمطار واجهت البلاد مخاطر نقص الغذاء والمجاعات والنزوح وانهيار المجتمعات الريفية، وتشتعل حروب الموارد، وتتضخم المدن بالأزمات.
وإذا سخيت السماء بمائها، وجاء الخريف كريماً وفيراً، تضررت المباني وساكنوها، وتعالت الاستغاثات في المدن والأرياف، وتشردت الأسر الآمنة إلى الخيام.
هذا حدث في العام الماضي، ويحدث في هذه الأيام، ولا يوجد ما يمنع تكراره غداً.
-3-
تبلغ المأساة تمامها في السودان، عندما يخرج النيل عن هدوئه ورزانته طوال العام، إلى حالة هياج موسمي كاسح، لا يُبقي ولا يذر.
تنهار في مواجهته كل حصون التراب وحواجز الإسمنت ومجهودات النساء والرجال، وتذوب تحت قهره واستبداده قصائد الشعر وأغاني الحماسة.
صديقنا بقناة الجزيرة فوزي بشرى، له تفسيرات - في ذروة المأساة - لا تخلو من الطرافة والسخرية، حيث يقول إن السودانيين من حاكمين ومحكومين صار لديهم إدمان طقوسي لحالة مقاومة الطبيعة في أيام الخريف، حيث تضعف التدابير الاحترازية الاستباقية وتستنهض الهمم بعد وقوع الكارثة.
فوزي أطلق عليها "متلازمة توتي".
"توتي" جزيرة لها سجل تاريخي في مقاومة ثورة النيل الخريفية، وارتبطت بها أشهر أغنية حماسية، تدعو لمواجهة عدوان النيل على الجزيرة وإخضاعه لإرادة البشر:
(عجبوني اولاد الفرسان
ملصوا البدل والقمصان،
وصبوا البحر خرسان،
من شاوش لي برقان..
عجبوني الليلة جوا
ترسو البحر صدَّدوا
الكوراك في العدارة
مرقوا أخوان السرارة
المركز جاب الإشارة
ما شالونا بالطيارة).
-4-

حكومة ولاية الخرطوم، فكرت وقدَّرت في العام الماضي، بعد كارثة السيول التي ضربت القرى الشرقية بالعاصمة، أن تُغَيِّر مجرى السيول لتفادي ما حدث، وذلك عبر مشاريع تنفذها شركات عالمية.
ربما كان المشروع ضرباً من الخيال، أو نوعاً من المسكنات الإعلامية، للتخفيف من وقع الكارثة لدى الرأي العام السوداني.
مضى العام، ولم نسمع عن تغيير مجرى السيول.
المدهش أن السيول هي التي قد غيرت مسار مفاجأتها، كانوا يتوقعونها في المشرق ولكنها جاءت من المغرب!.


تعليقات الفيس بوك

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في facebook


ضياء الدين بلال
ضياء الدين بلال