24-02-2015 10:21
أبكِ يابلدي الحبيب (1)
24-02-2015 10:21

وأيام الصبا الباكر.. وعندما كان جسرنا يضج بالحيوية والحياة والعافية.. وعندما كنا زرعاً فارع الأعواد.. وفي تلك الأيام المزهوة.. ونحن طلاب في المرحلة الوسطى.. وتحديداً بين جدران وداخل وفصول مدرسة أم درمان الأميرية الوسطى.. وعندما كان التعليم تعليماً وأساتذة يضيئون الفصول كما الشمس المشرقة.. وعندما كان الإجلاس فردياً.. كل طالب له مقعد وأمامه (درج) منفصل و (خرم) في ذاك الدرج تتوهط أحشاءه محبرة بيضاء من البلاستيك المقوى.. ممتلئة حتى (العين) بالحبر.. وعندما كان (عيدنا) هو يوم صرف الكتب والكراسات وحتى كراسة الرسم.. ومعها (علبة الألون) وعلبة (هندسة) وكل ذلك بالمجان.. وعندما كان كل المطلوب من أولياء أمورنا هو فقط (تجهيز) (قرشين) كل صباح وهي ليس أكثر من (حق الفطور) وبعدها وقبلها وخلال كل الحقبة الدراسية.. لا يدفع أي ولي أمر طالب مليماً أحمر.. لا حق تسجيل.. ولا حق رسوم دراسية.. ولا حق (كهرباء) ولا حق درس ودروس خصوصية.. وعندما كان المعلم هو الوحيد في سلك (التوظيف) كامل الهندام.. أنيق الملبس نظيف المعاني مظهراً وجوهراً.. وعندما كان حذاؤه يلمع مصقولاً كما المرآة.. عندها كان الوطن.. وعندها كانت تشكل كمائن طوب بنيانه على نار (يوج دخانه) وهم مجموعة الطلاب الذين حتماً يقودون الوطن يوماً.

هذا قبل أن نضع أقدامنا على عتبات الثانوي العالي.. ندخله ونحن نتحدث الانجليزية بطلاقة ونترنم بالعربية في فصاحة.

هناك في الثانوي العالي وقبل أن تهد أسواره خيول الجن العربية وتجتاحه أعاصير الجامعة العربية.. هناك ولا كلمة واحدة في كل الحصص.. في كل المواد.. في كل ضروب المعرفة.. إلا في حصة (الدين) واللغة العربية.

هناك في الثانوي العالي.. بدأت تشكل ملامحنا وتنبري واضحة.. قسمات شخصياتنا.. وتضيء لامعة بل تتقافز والثقة وتشع من عيوننا الممتلئة معرفة المعربدة أسراراً ومعنى.. هناك تتدفق المعرفة كما الماء الرقراق المنساب على جداول عقولنا.. والأدب الإنجليزي (ينبهل) كما النوافير من كتب وقصص وروايات خطها كبار أدباء الفرنجة.. يقلب لنا صفحاتها صفحة.. صفحة.. (مستر مايكل) ومحيط من المعرفة أبحرت فيه سفن عقولنا والرياح رخاء.

ألوان من الأحداث وأشكال من الحوادث وتشويق وترقب وإثارة.. وحب عاصف مجنون بين أحبة.. ونهايات سعيدة وأخرى مفجعة.. تحملها صفحات الكتب في حصص (الأدب الانجليزي).

لم ننسَ وحتى اليوم كتاباً واحداً منها.. نحفظ أحداثها حدثاً حدثاً نحفظ مفرداتها مفردة مفردة.. ولكن يبقى الجرح مفتوحاً منذ ذاك الزمان والدم نازفاً منذ أيام الدراسة.. منذ أيام (مستر مايكل) وحتى اليوم.. أذكر جيداً كيف تدفقت دموعنا.. بل (أنا بكيت عديل) عندما كانت الحصة تطالع كتاب (أبك يابلدي الحبيب) بشاعة الفصل العنصري وكيف يظلم الإنسان أخيه الإنسان.. وهوان الدم الإنساني.. وأنين المظلومين.. ونواح الثاكلات.. وألم الظلم المحصن وهو يسحق ويهشم (ضلوع الرجال)..

كان البكاء على وطن سحقته سنابك خيول الهولنديين وبعض الانجليز.. واليوم أنا أبكي على وطن أرهق وأبكي فصيل من أبنائه فصيلاً آخر من بنيه..

نعود له بكرة ولكن بعد أن نقلب في فرح بعض صفحات الزمان الزاهي الذي ارتحل.


تعليقات الفيس بوك

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في facebook


مؤمن الغالي
مؤمن الغالي