• ×

01:54 مساءً , الأربعاء 22 نوفمبر 2017

المُسلّمي الكبّاشي يكْتُب .. وجع الذكرى .. ووعود الفكرة .. الترابي يأتيكم من المستقبل

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
سوداني نت  .


من أقدار الله أن يتجدد الجدل حول أفكار الشيخ حسن الترابي، مقترناً بحلول الحول على رحيله، فبعد عام كانت أفكاره محلاً للنقاش العام حين قدمت إلى البرلمان لإجازتها نصوصا للتعديلات الدستورية، باعتبارها مخرجات للحوار الوطني، الذي كان الشيخ الترابي من ألمع نجومه، وأقوى الواقفين في إسناده.


فكأنما قدر الرجل مع الناس، وقدرهم معه، أن يظل حاضراً في شأنهم العام ،وهو في رحاب ربه، وذلك شأن رجال الفكرة في الـتاريخ، إذ أن مدخلهم للقبور مدخلاً جديدا للحياة تفنى أجسادهم فتنبعث الحياة في أفكارهم، خاصة منْ ظلّ سهمُه الأعلى، وصوتُه الأجهر وكلماتُه الأقوى، وأفعالُه الأوقع، لنصف قرن من عمر الزمان.

طبيعة المنتج الفكري للترابي القدرة على إثارة النقاش، مذ اتخذ التجديد منهجا وطريقا في الحياة. فما من فكرة يرمي بها في العرصات العامة حتى ينقسم الناس حولها بين أتواق وأشواق التجديد في مواجهة سدانة وحراسة القديم. ولكنّ تعاقب الحادثات ينصف الرجل ولو بعد حين. وأكثر الحالات دلالة على ما نقول موقفه المؤيد لبقاء الكتابية التي اختارت الاسلام عقيدة، في عصمة زوجها المخالف في الدين، كان ذلك في العام 1975 من القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية، حينها قامت الدنيا ولم تقعد على الرجل وتناوشته اتهامات التفسيق والتكفير، غير أن مجلس الافتاء الاوروبي أدرك بعد ست وعشرين سنة في العام 2001م ما وُهِب الترابي من صواب الرأى، ونصاعة الحجة، وصفاء الرؤية ونباهة العقل ورجاحته وعمق الفقه وواقعيته فعاد على فتواه، فشكر رئيسه الشيخ يوسف القرضاوي الدكتور الترابي على سبقه .

مثل هذه الحادثة تتجدد اليوم في الجدل الذي أثير حول صياغة الترابي لمادة يرجى لها أن تكون جزءً من الدستور تنص على أن (الاسرة هي الوحدة الطبيعية الاساسية للمجتمع، ولها الحق في حماية القانون، وعند بلوغ سنِّ الرشد المقررة قانونا يجوز التزاوج بين الذكر والأنثى بالتراضي وبالتعاقد مباشرة أو وكالة، وتسير الأسرة وفق دين الأطراف أو عرفها، ويرعى المتاع والوصايا والمواريث بعد الممات وفق ما يلي المعنيين من دين أو عرف أو قانون)

ومنطلق الصياغة الواسعة الأفق وعي الترابي بأجلّ التحديات التي ينشغل بها عالم اليوم، تحدي الأسرة، بقاؤها في أصولها الطبيعية أو الانحراف بها إلى فوضى تتحلل بها البشرية من عراها الأخلاقية الوجودية ويندفع بها الإنسان ليسبح في فضاءات الفوضى دون كابح من أخلاق، أو رادع من قيم. وتحدي الأسرة يشدُّ في اتجاهين متنازعين، الغرب الذي تقوى فيه اتجاهات إلغاء الأسرة عمليا بإثارة الفوضوية الاجتماعية ،وعالم الإسلام الذي لم يستطع الخروج من ربقة تقاليد الجاهلية الأولى إلى أفق التعاليم، بأثر من طوفان الاستبداد السياسي بالمغريات السلطانية عبر قرون غياب الحاكمية الحقة للشريعة، صور جاريات الترف والقصور من غرناطة ودمشق وبغداد واستانبول ودويلات الملوك والسلاطين عبر العصور الإسلامية. ولأن الترابي إعتاد التفكير فيما وراء الأبواب المؤصدة، يدرك أن ليس هناك خيارات مستقبلية كثيرة. إما ان ينجرف المسلمون في تيار التحلل الكلي الذي يجتاح العالم، أو أن يقدموا الأطروحة الأرقى والأبقى التي يحاول الترابي صياغتها . وهى صيغة من منابع دينهم ومقتضيات أدوراهم الغائية في الحياة. ولكن مما لا يتفق مع روح الإسلام ووعوده أن يظل عالمه محكوما بنصوص أنتجها مجتهدون مهما كان بلاؤهم في مواجهة ابتلائهم. وبالطبع لا تحجب جريمة التقليد الهدي الاسلامي عن الإنسانية المتعطشة له فحسب وإنما تحجب معه رسالة المعنى والمغزى لحياة عالم يلفه الضياع، فمنع جرعة الدواء على الإنسان المريض بتقديم النسخة المتسخة البالية منها التي ما شفي منها الحاضر ولا التاريخ، ولن تكون مصدر شفاء المستقبل، هذا المنع أحد أهم تجليات خطر التقليد على عالم الإسلام والعالم أجمع. الإنسان المعاصر صنع لنفسه وجوداً ملفوفاً بالرغائب والشهوات، مترعاً بنوازع الاستمتاع والسعادة عبر الانخراط المفرط في كل اتجاهات المتاع، وليس لعاقل إلا أن يصف هذه بمحابس وهمية عن السعادة الحقيقية، وحين يلتفت يمنة ويسرة ولا يجد إلا هذه المحابس فلن يتردد في الدخول إليها حتى لوكان مسلماً يتحنث في غارات الجبال بعيداً عن صخب الحياة وضجيجها، إن كان الخيار الآخر محابس التقليد العاجزة عن مخاطبة الواقع المعرفي والنفسي لأجيال المسلمين المعاصرة والقادمة. وصورة العالم الاسلامي اليوم أبلغ تعبير لانعكاس هذه النصوص على حياته. والذين احترفوا مهنة (الفقه)واتخذوها سبيلا للحياة لا يدركون حجم المكابح التي يضعونها في سبيل نهضة الأمة، وسيكون دورهم حجب الهدي الإسلامي عن الآخرين من حيث أرادوا الدفاع عنه. والترابي يدرك أكثر من غيره أن موجة الثورة على التقاليد التي تجتاح العالم اليوم هي حالة حيرة أكثر منها حالة اختيار، وبهذا المعنى هي فرصة لملأ فراغ الفكر، وتقديم محتوى بديل يلبي حاجة الإنسان في (الطلاقة) والمشيئة الحرة، ويقدم له في ذات اللحظة خطاباً عادلاً وعقلانياً يسد جوعته إلى مقتضيات إنسانيته الضائعة.

ونص آخر صاغه الترابي وأثار نقع الجدل بأكثر مما مضى وهو (لكل إنسان الحرية في اختيار رؤى يتخذها عقيدة دينية أو رؤية مذهبية ، وله أن يمارس أي شعائر دينية أو احتفالات تذكر بها، ويتخذ مواقع لعبادته، ولا يكره أحد على دين عيني، أو مذهب معين، ولا يحظر عليه الحوار والجدال فيما هو حسب إيمانه ورأيه). ومهما يكن التفسير الذي صاحب جدل هذه النصوص، سواء السياسوي الذي ذهب إلى أن الثائرة لم تكن غير قنبلة دخانية لحجب التعديلات الدستورية التي تلامس المصالح المباشرة ذات الوقع السياسي على المواطنين مثل صلاحيات وحدود طلاقة اليد الأمنية، أو التفسير الديني الاجتماعي المنطلق من حرص مشوب بوعي زائف على القيم والمعاني الاسلامية. مهما يكن من تفسير فإن

الارتكاز على نصوص وتفسيرات (إسلاموية) لمواجهة حالة التوق الطبيعي الفطري، والاندفاع السياسي الاجتماعي للحرية كما تم في مقاربة بعض الأئمة للنصوص المقترحة لإطلاق الحريات في الدستور، هذا المنطق النصي القائم على منهج يستجمع الحواشي والمتون والشروح من مدوني الفقه، ويتكثّف النقل حاجباً أصول النصوص، وروح التنزيل، في مواجهة التوق الأصيل للحريات، هو أقوى سلاح يهديه هؤلاء الفقهاء إلى العلمانية في دعوتها إلى الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع الديني، بحيث (لا تمارس الدولة أي سلطة دينية، ولا تمارس الجماعات الدينية أي سلطة سياسية) بأي الأشكال كانت السلطة والممارسة. والحقيقة بما جُبل عليه جل هؤلاء ( العلماء) من قلة المعرفة بالأساليب والألاعيب السياسية يضعون سيوفهم في أيدي خصوم (الدينية) ويمنحون ( اللادينية) السياسية قوة دفع متجددة. فإن كان الدين كما يقدمه هؤلاء قيداً على حريات الناس فسيجد معظم الناس أنفسهم مصطفِّين إلى جانب كل داعية لفصل الدين عن الحياة العامة.

كلما استندت النخبة الحاكمة على تفسير خاطئ للنصوص، أو قوة إسناد مصدرها من يسمون بالعلماء لتضييق الحريات، وكبت حراك الناس السياسي أو الاجتماعي وبالضرورة كله ديني بالمنظور التوحيدي، كلما منح ذلك دعوة العلمانية أكسجين الحياة، ومنح العلمانيين قوة منطق لتجديد تقديم دعواهم وتوصيفها بأنها (القانون والحرية واحترام الإنسان) في مواجهة الإسلامية التي تُقدم بأنها (الطغيان والكبت وإهدار حق الإنسان) وستتجه أجيال المسلمين إلى الانبهار بالعلمانية، والاستسلام لمنطقها بدلا من نقدها وشحذ البراهين العلمية والعملية في مواجهتها، بمنطق ناصع أصيل، لا تحجبه العقول المسكونة بالرِّيب والتشكُكات، المفطورة على حراسة التاريخ. وأسوأ نتاج ذلك الاعتراك أنه حول صورة زائفة للإسلام .

ومهما يكن فإن الرفض ليس أكثر من تنطعات كثيرا ما يتجاوزها الواقع ،فلو أن من يستقصدهم الخطاب كانوا عند طوع الرافضين لما غادرت (مريم) قبل سنوات بعد تبديلها الدين، وخروجها عن الإسلام، وربما لما سُرّ المسلمون بانضمام أكثر من تسعين من أقباط كسلا الأسبوع الماضي إلى بيضة الإسلام بعد ما بدلوا ما كانوا عليه من دين .

ربما يستطيع حراس (التابو) الحيلولة دون أفكار الشيخ الترابي وتنزلاتها على مجتمع اليوم، وربما لم تنضج مجتمعاتنا وتستنير بما يكفي لتفقه حقائق دينها وقدرته على مواجهة معضلات الانسان المعاصر، ولكن التاريخ ما برح يمارس المكر وسيظل يمارسه وكما استبانوا رؤيته بعد مضي السنوات الطوال في قصة المسلمة مع الكتابي، فإن ما قد يرفض الآن ينتظره القبول في المستقبل، ستحلق أفكار الترابي في فضاء أوسع بعدما تتخلص من أثقال المعاصرة (فالمعاصرة حجاب) وبعد ما يصبح الاختيار الحر لنمط الحياة اختياراً يستحيل إرجاؤه، فالأفكار الحية تشرق في المستقبل، والميتة لا تستطيع أن تعيش إلا في المناخات التي أنتجتها، والحياة طبيعتها الحركة .

التفاؤل سمةٌ راكزةٌ في نفسية الترابي، قطعا منبعه الإيمان الذي يملأ نفسه بتحقق وعد الله بنصر الدين، ويستمد تفاؤله أيضا من إدراكه استحالة استمرار هذه الأوضاع في عالم تزداد مساحات التواصل فيه وتتحطم حجب الاتصال بتقانة خلطت أوراق الجميع، ومزجت عوالمهم الخاصة التي يستتر بها المرء مع نفسه، والعامة التي تتقاطع فيها وتتداخل الاتجاهات. فإن ازدادت قدرات التلاعب بعقل الانسان، ازدادت فرص مخاطبته. وإن ازدادت الحاجة إلى العكوف على الخويصة الثقافية، ازدادت فرص اختراقها والحاجة إلى مشاركة الآخرين مكوناتهم الثقافية. إن الفتوحات التقانية الجديدة وسائل غير مسبوقة للبلاغ المبين عن محتوى ونموذج الإسلام في الحياة العامة والخاصة ولكن ذلك النوع الذي تنتجه عقول قادرة على استيعاب تعقيدات المعاصرة لتنتج ما يناسبها من خطاب.

حدود الحرية في فقه الترابي هي أن تخلي بين الناس واختياراتهم . بل واعتناق الحقيقة التي تتبدى لهم ويجْتبونها عقلاً ونفساً، والنصوص الدستورية التي صاغها محل الجدل تخاطب أحلام السودانيين ليعيشوا أحرارا، تمنحهم الوعي بحقوقهم، والانتظام للدفاع عنها. والقضاء المستقل الذي يستحقونه، والصحافة القادرة على ممارسة أدوارها في الرقابة والتصويب .

سيظل اسم الشيخ الراحل حسن الترابي محفورا في ذاكرة التاريخ عبر الفضاء الإسلامي والكوني. ولكن الأهم من ذلك أنه سيعود إليكم من المستقبل. كان لا يواجه أقدار التدين في أيامه فقط ، ولكنه يقرأ ابتلاءاته المستقبلية، ويخاطبها بمنهج أصولي متجدد، وحين يعود لا بمقولاته فإن اجتهاده يضاد خلود الكلمات، ولكن بمنهجه المحتفي أبداً بالهضم والاستيعاب والتجاوز، ذلكم جِماع عقيدته الفكرية.

فهو يدعوكم من مثواه في مقابر بري إلى شحذ العقول والأقلام لمقاومة حالة الموات، فالعقول التي أشعل فيها طاقة الحياة لا يريد لها أن تنطفئ .

فهو لا ينتظر أعيناً أرهقها هطل الدموع، ولا أنفساً بدد طاقتها ذوب المشاعر، ولكنه ينتظر أقلاما تسيل بناصع الفكرة، وأرواحا تجيش بالأمل في تجسُد الفكرة التي عاش من أجلها.

بواسطة : admin
 0  0  242

جديد الأخبار

أعربت وزارة وزارة الخارجية السودانية عن أسفها لتحذير أمريكا لرعاياها للسفر..

التعليقات ( 0 )