عثمان شيخ الدين عكرة يكتب : أحلام فولكر وأحلامنا

أحلام فولكر وأحلامنا
عثمان شيخ الدين عكرة
ما كنت لأصدق أن الحرب ستندلع حقًا… كنت أتوهم أن فولكر سيغادر بلادنا بخيبة أمله الثقيلة، يجرجر خلفه فشله في إشعال النيران. تمنيتُ – كالكثيرين – أن تُطفأ شرارة الحرب في لحظتها الأولى. لكن الصدمة كانت أن الرجل لم يأتِ فقط بعود الثقاب، بل سبق ذلك بتجهيز الحطب، وترتيب المسرح، بعد أن خابت محاولات سابقة لجرّ البلاد إلى هاوية العنف والانقسام.
قرأتُ حواره الأخير، ذاك الذي نُشر في مكان آخر قبل هذه الصفحة… كان يتحدث كمن أنجز نصرًا، يتبجّح بما سماه “قيام حكومتين” في السودان. لم يكن هو أول من يحلم بتقسيم الوطن، فقد سبقه آخرون بعد تحرير “جبل موية” وغيرها من المنعطفات المفصلية في التاريخ الحديث.
المؤلم أننا – رغم ثقتنا في أبناء الوطن – تركنا لهذا الرجل مساحةً واسعة للتحرك، فغادر وهو يشعر بنشوة المنتصر، وقد حقق أغلب ما أراد. السودانيون، رغم تحذيراتهم المبكرة، لم يستفيدوا من دروس الماضي. والرجل، بدهائه، استغل هشاشتنا، وانقسامنا، وبعض حماقاتنا، فمرّر مخططه وأشعل الفتنة.
أذكر جيدًا أنني طالبت، حين أُعلن عن قدومه إلى الخرطوم، بعدم منحه فرصة الوصول إلى أهدافه. لم أطالب بمنعه من الوصول جسديًا فحسب، بل منعه من النجاح في مهمته. لكن، للأسف، لم تكن تلك الدعوة كافية، ولم تجد من المؤسسات من يتعامل معها بالجدية المطلوبة.
لقد عاد فولكر، لكن ليس كمن خسر رهانه، بل كمن يتابع الشأن السوداني من الصحف والمواقع، متلذذًا بما فعل، وكأنه لا يزال يحكم من بعيد.
إنها واحدة من أسوأ لحظات التاريخ، وأكثرها مرارة.



