
عندما سرتُ وحدي بين الأشواك، في النيل الأبيض، لم تكن غايتي الحرب على الفساد، بل تقليل مساحته، كسر تلك الهالة الزائفة التي تحيط بكل من ارتقى سلم السلطة بغير استحقاق.
كان همّي الأعمق هو إعادة الأمور إلى حجمها الحقيقي، لا بتبني الصراخ، بل بالفهم، وبالاستعداد لدفع ضريبة التفكير بصوت مرتفع.
> “كما تكونوا يولّ عليكم”
هذه الآية كثيرًا ما كانت تختصر لي مأزق السلطة والفساد والمجتمع. فالسلطة ليست مفروضة دومًا من علٍ، بل هي انعكاس لحالة الناس أنفسهم.
كنت وحدي –ولا مبالغة في ذلك– في لحظة ما.
والجماهير التي حولي لم ترَ في محاولتي إلا سذاجة رجلٍ يُريد تغيير ما لا يتغيّر.
> “أأنت رجل راشد؟ كيف تظن أنك قادر على التغيير؟”
لكنني لم أكن أبحث عن التغيير بالصيحات، بل بأسلوب مختلف، يربط بين دور الصحافي، والمدوّن، والمحلل الاستراتيجي.
لقد كنت دائمًا مشغولًا ليس فقط بـ”ماذا بعد النشر؟”، بل “كيف سيُستقبل النشر؟ ومن سيقرأ؟ ومن سيتحرك؟ ومن سيرد؟”
وهل تقف الكلمة في حدودها الرمزية؟ أم تُصبح مادة للتحقيقات، أو الرصد الأمني، أو حتى للتشهير؟
أدركت مبكرًا أن أكثر ما يخيف ليس “النشر”، بل عبور الخط الأحمر دون قصد؛
حين تكتب بنية الإصلاح، لكن يُفهم كلامك كتحريض، أو يُفسّر كاختراقٍ لنطاق الحُرُمات القانونية أو المؤسسية.
نعم، تأتيك المعلومات من كل اتجاه: بعضها مُثبت، وبعضها شائعات كثيفة، وبعضها أقرب للخيال.
لكنك، ككاتب مسؤول، تعرف أن مجرد تداولها قد يشعل النيران.
بلاغات، إساءات، حملات منظمة لتشويه السمعة…
ومعها، لعبة قديمة تتكرر:
> هل ستخضع؟
هل تغريك السلطة؟
هل تفتح عليك أبوابها لتُدجّنك؟
أم تختار أن تُحارب حتى تُقصى؟
رغم ذلك، لم أكن –ولن أكون– في حربٍ مع القانون.
بل أؤمن أن القانون هو غطاء الصحافي العاقل، وهو ما يجب أن نحمله داخل وعينا قبل أن نحمله في يدنا.
لقد كتبتُ دومًا وأنا أحمل بين جوانحي قانون الصحافة والمعلوماتية، وحرصت على أن لا أتجاوزه، حتى حين تجاوزني الآخرون.
ولدي يقين –رغم كل شيء– أن الأجهزة، مهما بدت قاسية أو مغلقة، ليست دائمًا كما يُصورها الانطباع العام:”بؤر لحماية رؤوس الفساد”.
هي –في جوهرها– مؤسسات دولة، كثيرًا ما تُقيّدها القوانين، ويُوجّهها الدستور، ما لم يُطغِ عليها التفسير السياسي، أو تأويل مضاد للعقل.
> القانون ليس ساحةً لتضارب التفسيرات.
والدستور لا يحتمل ازدواجية المعايير.
وفي غيابهما، تذوب هيبة العدالة، وتتلاشى المساواة.
لكن داخل ميدان التنفيذ، كثيرًا ما تطلّ قوى التزييف:
تُحرّف الروايات، وتُضلل الوقائع، وتُغرق الحقيقة في مستنقع الانطباعات والتأويلات السياسية.
الحرب… وصناعة الإنسان المكسور
هذه الحرب اللعينة التي التهمت بلدنا، لم تُدمّر المباني فقط، بل خرّبت الشخصية الجمعية.
خلقت جيلًا جديدًا ممزقًا، مرتابًا، موجوعًا، صعب الاقتناع.
جيلٌ لا تنفع معه الشعارات، ولا تكفيه الوعود الفضفاضة، ولا تهمّه الأيديولوجيات، بل يسأل أولًا:
> “من سيضمن لي أبسط حقوقي كإنسان؟ ومن يحميني من الخراب القادم؟”
جيلان كاملان اليوم عالقان في مرحلة انتقال غير مستقر، فقدا الثقة في الدولة والقيادة، في الأحزاب والرموز، وفي كل من تزيّا بثوب “المُخلّص”.
وبينما يعيش البعض في بقع آمنة نسبيًا، تغريهم الراحة، تنسى هذه الفئات أن الاستعداد للكارثة القادمة هو أولى شروط النجاة.
لا يكفي أن ننجو اليوم.
علينا أن نعيد بناء الإنسان –لا البنية فقط– حتى لا نعود للمربع الأول.
لكن من الذي يستطيع مخاطبة هذا الإنسان المكسور؟
من لديه اللغة التي لا تجرحه؟
من يمكنه أن يربح عقله دون أن يُساوم على ضميره؟
ومن يفهم أن هذا الوطن لا يُبنى بالمُغالبة، بل بالتواضع أمام هول المصاب؟
في لحظةٍ ما، سرتُ وحدي.
ولم أكن بطلاً، ولا شهيد رأي، بل كنت صوتًا يرفض الصمت.
لم أخالف القانون، ولكنني خالفت عادة السكوت.
وفي هذا الزمن، السكوت أحيانًا هو أكبر خيانة.


