Uncategorizedمقالات

بين إدارة الداخل واختبار الخارج: كامل إدريس على المحك في زيارته الأولى للقاهرة

خبر وتحليل: عمار العركي

▪️منذ لحظة تعيينه رئيسًا للوزراء، أثار الدكتور كامل إدريس حالة من الترقب والرهان، لا لكونه وجهًا جديدًا فحسب، بل لأنه مثّل خيارًا يوحي بالرغبة في الانتقال من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى “إدارة الدولة”. لكن ما بين التفويض النظري والتطبيق العملي، تباينت القراءات حول مدى كفاءة الرجل وقدرته على التعامل مع تركة ثقيلة من الانهيار المؤسسي والتعقيد السياسي.

▪️فعلى الصعيد الداخلي، لم يقدم الدكتور إدريس حتى الآن مؤشرات كافية على حراك فعّال أو تصور عملي شامل، واكتفى بخطاب عقلاني متزن، لكنه ظل في غالب الأحيان داخل دائرة التصريحات الرمزية. فالمهام الثقيلة المعلقة في الملفات الأمنية والمعيشية والمؤسسية، لا تزال تبحث عن أفعال تتجاوز الكلمات.

▪️واللافت أن الرجل، حتى هذه اللحظة، لم يعيّن وزيرًا للخارجية، وقد ظهر أن الدكتور إدريس يتولى بنفسه إدارة الملف الخارجي، دون تعيين وزير أو متحدث رسمي باسم الوزارة، ما يعكس نمطًا مركزيًا مقلقًا في إدارة العمل التنفيذي، ويُضعف القدرة على التحرك المؤسسي المنسق.

▪️وما يزيد من حساسية هذا الاختلال، أن زيارة القاهرة – باعتبارها تمثل ملفًا استراتيجيًا بالغ التعقيد – لم تستند إلى مرجعية دبلوماسية واضحة أو مشاركة من خبرات سودانية متخصصة، مثل آخر وزير خارجية تولّى هذا الملف واحدث فيه إختراقات مشهودة ، ويُقيم حاليًا في مصر . وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة عن مدى الجاهزية الحقيقية لهذه الزيارة.

القاهــرة ليســت وجهـــة تقليــديــة.. بل اختبــار لشكـل الدولــة الجديدة :

▪️القاهرة لم تُختر اعتباطًا. فهي ليست فقط الحليف الإقليمي الأقرب، بل أيضًا الدولة التي ظلت تستقبل اللاجئين السودانيين وتقدم دعمًا مؤسسيًا وحكوميًا غير مباشر للشرعية السودانية. وبالتالي، فإن مستوى الحوار مع مصر، ونوعية المخرجات، سيعكسان ما إذا كانت الحكومة الجديدة تسعى لبناء شراكات استراتيجية، أم أنها تكتفي بجس النبض والرمزيات.

مطلوب من كامل إدريس أن يكون “صاحـب رؤيـــة” لا مجرد ناقل رسائل :

▪️في السياق السوداني المعتاد، كثير من الزيارات الرسمية كانت تكتفي بـ”نقل الرسائل” أو عرض المواقف دون تقديم رؤية استراتيجية متكاملة. لكن القاهرة لا تنتظر مجرد استماع، بل تريد شريكًا يعرف ما يريد، ويحدد ما يستطيع تقديمه وما يطلبه، في إطار من الندية والتكامل.

المصالح والعودة الطوعية.. ميدان صدق النوايا لا المجاملات 

▪️منطق المصالح لا العواطف.. طريق بناء شراكة استراتيجية ، فلن تُبنى العلاقة مع مصر – أو غيرها – على أساس العواطف أو التاريخ المشترك فقط، بل على منطق المصالح المتبادلة والتكامل الإقليمي.

▪️ملف اللاجئين السودانيين في مصر لا يحتمل الخطاب الإنشائي. فالقاهرة استقبلت مئات الآلاف، وتحملت ضغطًا اقتصاديًا واجتماعيًا بالغًا، لكنها تنتظر من الحكومة السودانية خطة عملية وواقعية لتأمين العودة الطوعية تدريجيًا، لا مجرد نداءات إعلامية.

هل د. كامل ينجـــح في أول امتحــان؟ 

▪️من هنا، تصبح الزيارة أكثر من مجرد محطة دبلوماسية: إنها امتحان لرؤية كامل إدريس ومهاراته التنفيذية والقيادية. لكن حتى قبل أن يبدأ هذا الامتحان، لا بد من الإشارة إلى الاختلالات الداخلية التي قد تلاحق الرجل إلى القاهرة، وتحدّ من فاعلية تحركاته الخارجية.

خلاصــة القــول ومنتهــاه: 

▪️ القاهرة لن تُنخدع بالخطابات.. والفرصة لا تنتظر كثيرًا ، فزيارة القاهرة تمثل أولى خطوات الدكتور كامل إدريس في طريق اختبار كفاءته الحقيقية. فإن نجح في إدارتها بمرونة وقوة، وقدم خطابًا سياسيًا واقتصاديًا يحترم المصالح ويخاطب التحديات، فقد يُعيد بعضًا من هيبة الدولة السودانية، ويكسب دعمًا إقليميًا بالغ الأهمية.

▪️أما إذا خرج منها بخطاب دبلوماسي تقليدي وصور تذكارية، دون نتائج ملموسة، فسيكون قد أهدر أول فرصة ثمينة في مسيرته القصيرة حتى الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى