القاهرة وخطوط منع الانهيار: كيف تُدار معركة الدولة في السودان؟

بقلم:د. عبدالناصر سلم حامد
كبير الباحثين ومدير برنامج شرق أفريقيا والسودان في فوكس للبحوث (السويد)
في الدول الهشّة، لا يُقاس الاستقرار بغياب العنف، بل بقدرة المؤسسات على منع تفكك مركز القرار والقدرة السيادية للدولة.
من هذا المنطلق يمكن فهم زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة، لا بوصفها تحرّكًا دبلوماسيًا عابرًا، بل كإشارة سياسية ذات معنى أعمق، تتصل بإعادة تعريف مفهوم الاستقرار في السودان. فالمقاربة المصرية في هذه اللحظة لا تنطلق من إدارة الحرب أو موازين القوة المتحركة، بل من سؤال أكثر جوهرية: كيف يمكن منع انقطاع الدولة نفسها، وضمان استمرارها ككيان سياسي ومؤسسي قابل للحياة بعد توقف القتال؟
تأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، إذ لم يعد السودان يعيش حالة حرب تقليدية، بل دخل مرحلة يمكن توصيفها كنظام أزمة طويل الأمد، حيث تتحول الحرب من حدث طارئ إلى نمط حكم غير معلن يعيد إنتاج نفسه عبر الزمن. في هذا السياق، لا يتجلى خطر الدولة في انهيار مفاجئ، بل في تآكل قدرتها على احتكار القرار، وضبط المجال العام، وفرض معيار واحد للقانون واستخدام القوة. هذا التآكل البطيء هو أخطر أشكال الانهيار، لأنه يبقي الدولة قائمة شكليًا، بينما يفرغها من مضمونها الوظيفي.
في الحالة السودانية، يظهر هذا التآكل عبر تفكك الاحتكار السيادي، حيث تتوزع وظائف الحكم — الأمن، والعدالة، والجباية، والخدمات — بين فاعلين متعددين، وتتشكل أنماط حكم متنازع عليها داخل المجال الوطني. في مثل هذا الوضع، لا تختفي الدولة، لكنها تفقد مركزها الناظم الذي يربط بين السلطة والقانون والمجتمع. ومن هنا، يصبح الصراع قابلًا للاستدامة، لا لأنه قوي عسكريًا، بل لأنه يتحول إلى بنية قائمة بذاتها.
الأخطر من التفكك الجزئي هو بقاء السودان دولة بلا أفق سياسي، تُدار بالأزمات وتعيش على تسويات مؤقتة، دون قدرة على إنتاج مسار وطني جامع أو عقد اجتماعي جديد. مثل هذه الدول لا تنهار سريعًا، لكنها تستنزف مجتمعها وتحوّل الأزمة إلى نمط حكم دائم. عند هذه النقطة، لا يعود الاستقرار هدفًا بحد ذاته، بل يصبح اسمًا لإدارة الهشاشة وتأجيل الانفجار.
يعكس الاستقبال الرسمي في القاهرة، واللغة الدقيقة للبيان المصري، خيارًا استراتيجيًا واضحًا: التعامل مع السودان من بوابة الدولة والمؤسسات، لا من بوابة الأشخاص أو الوقائع المؤقتة. هذا يعني الانتقال من ردّ الفعل إلى هندسة منع الانهيار، أي التدخل المبكر لتحديد حدود ما يمكن قبوله سياسيًا في مرحلة ما بعد الحرب، قبل أن تتحول الترتيبات المؤقتة إلى وقائع دائمة. في هذا الإطار، يمكن قراءة الخطوط الحُمر المصرية بوصفها منظومة لإدارة المخاطر السيادية، لا مجرد تفضيل سياسي لطرف؛ فهي ترفع كلفة المسارات التي تُنتج دولة مجزّأة، وتخفض كلفة المسار الذي يُبقي مركز القرار قابلًا للاستعادة.
في الأزمات الممتدة، لا تُقاس قوة الدولة بعدد مؤسساتها، بل بوجود مركز قرار قادر على توحيد المعايير. وحين يفقد السودان هذا المركز، لا يعني ذلك فقط ضعف الحكومة، بل غياب معيار موحّد للأمن والعدالة والجباية والخدمة. هنا يظهر تعدد المعايير بوصفه أخطر من تعدد القوى، لأنه يُحوّل المجتمع إلى مساحات حكم متفاوتة، ويجعل استعادة الدولة لاحقًا أكثر كلفة وتعقيدًا. من هذا المنظور، تُفهم الخطوط الحُمر المصرية كدفاع عن مركز القرار ذاته، لا عن شكل إداري مجرد.
تنطلق المقاربة المصرية من قراءة واقعية لطبيعة الدول الهشّة؛ قراءة لا تُراهن على الأشخاص ولا تنشغل بتبدّل الوجوه، بل تنظر إلى سلامة المؤسسات باعتبارها الضامن الحقيقي لبقاء الدولة. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الجيش السوداني بوصفه مؤسسة دولة جامعة، لا مجرد قوة قتالية، إذ يمسك بسلسلة القيادة ويحفظ الحد الأدنى من التماسك العمودي للدولة. لذلك، لا يُقدَّم الجيش كفاعل سياسي أو طرف ظرفي في الصراع، بل كإطار مؤسسي يمنع انزلاق الدولة إلى تعدد مراكز السلطة.
وفي حالة السودان، حيث الهشاشة البنيوية والتآكل المؤسسي واضحان، فإن إضعاف هذا الإطار لا يُنتج توازنًا جديدًا، بل يُطلق سلسلة انهيارات متتابعة تطال بقية المؤسسات. فإضعاف الجيش هنا لا يعني تراجع القدرة العسكرية فقط، بل يعني انكسار منظومة الضبط التي تربط الأمن بالقانون والاقتصاد. وحين تنكسر هذه المنظومة، لا يظهر فراغ محايد، بل تتقدم سلطات غير نظامية لإعادة تنظيم المجتمع وفق قواعدها الخاصة، فتتغير أنماط الطاعة والامتثال، وتتحول العلاقات المحلية إلى إدارة بالقوة بدل الإدارة بالقانون.
مهما حاول البعض التقليل مما يجري اليوم في السودان، فإن قراءة الواقع ببرود استراتيجي تُظهر أن إضعاف هذا الإطار لا يفتح باب الاستقرار، بل يفتح باب فراغ سيادي يتحول سريعًا إلى تعدد مراكز قرار داخل المجال الوطني. ففي الحروب الطويلة، لا يكون الجيش مجرد أداة قتال، بل غالبًا آخر حامل لوحدة القرار، وآخر إطار يمكن عبره إعادة تجميع الدولة حول معيار واحد للأمن والقانون. ومع تآكل هذا الإطار، لا ينشأ توازن جديد تلقائيًا، بل تتكاثر معايير الحكم، ويُدفع المجتمع نحو تشظٍّ وظيفي يصعب رأبه لاحقًا.
على المستوى الاقتصادي، يقود هذا المسار إلى ترسيخ اقتصاد أزمة مستدام، تُدار فيه الموارد خارج المنطق العام، وتتشكل شبكات تمويل قائمة على الاستثناء، وتتحول الحرب إلى مصدر عيش. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الترتيبات إلى اعتياد مؤسسي، حيث تصبح القنوات الموازية لإدارة الرواتب والخدمات والجباية أمرًا طبيعيًا، منتجةً شرعية فعلية صامتة تطالب لاحقًا بالاعتراف السياسي. هنا تتضح حساسية المقاربة المصرية في منع هذا المسار، لأنه يُرسّخ دولة مزدوجة البنية، بواجهة رسمية ضعيفة وبنية فعلية تتحكم في القرار والموارد.
في لحظات ما قبل التسوية، تتحول الحرب إلى سوق اعترافات وتسويات، تتنافس فيها الأطراف على شرعنة مواقعها عبر التعامل العملي والدعم الخارجي. وتزداد أهمية الخطوط الحُمر المصرية حين تُربط بالقانون الدولي، فتتحول من موقف سياسي إلى قاعدة دفاع ترفع كلفة أي مسار يُفضي إلى تفكيك الدولة. ولا ينفصل هذا كله عن إدارة الزمن السياسي للأزمة؛ فأخطر مراحل النزاعات ليست ذروة القتال، بل فترات التهدئة غير المنضبطة، حين تتحول الترتيبات المؤقتة إلى وقائع يُطالب بتثبيتها. هنا تظهر عتبة اللاعودة التي إن تم تجاوزها يصبح تفكيك الهشاشة أكثر صعوبة.
كما لا يمكن فهم هذا الدور بمعزل عن التنسيق المصري–السعودي، الذي يعمل كصيغة حوكمة إقليمية للأزمة وتقاسم للمخاطر. فالقاهرة تضبط حدود الدولة والشرعية، بينما تدفع الرياض مسارات التهدئة والدعم الإنساني وتوسيع الغطاء الدولي. هذا التكامل يمنع تدويل التفكك، ويحول دون تحول السودان إلى ساحة تُدار عبر ملفات متفرقة بدل أن يبقى طرفًا تفاوضيًا واحدًا. إقليميًا، يتحول السودان في حال تآكل مركز الدولة إلى عامل مضاعِف لعدم الاستقرار، يفتح مسارات ضغط مركبة تشمل الحدود الرخوة واقتصادات التهريب وتعدد الوساطات، بما يرفع حساسية البحر الأحمر وحوض النيل ويقلّص هامش المناورة للدول المحيطة.
إدراج ملف حوض النيل والأمن المائي في سياق الزيارة يضيف بعدًا سياديًا حاسمًا: فالدولة القادرة شرط للتفاوض الفاعل، والدولة المنقسمة تفقد قدرتها على حماية مصالحها الوجودية. ومن هنا، يصبح دعم وحدة السودان واستمرارية دولته جزءًا لا يتجزأ من معادلة الاستقرار الإقليمي الأوسع.
ولا يعني هذا التحليل تبنّي مواقف أطراف بعينها، بقدر ما يعكس قراءة مؤسسية تعتبر بقاء الدولة وسلامة مؤسساتها شرطًا سابقًا لأي تسوية قابلة للحياة.
وبهذا المعنى، يصبح النقاش حول السودان نقاشًا حول بقاء الدولة بوصفها بنية حاكمة، لا حول إدارة صراعٍ عابر. كل تسوية لا تُعيد مركز القرار إلى الدولة إنما تُحوّل الحرب من جبهة إلى بنية حكم.
في المحصلة، لا يُقاس الاستقرار بتراجع الضجيج أو انخفاض وتيرة القتال، بل بعودة معيار واحد للحكم، لأن تعدد المعايير هو الوجه الآخر لاستدامة الأزمة. المعركة في السودان ليست على من يربح لحظة الحرب، بل على من يمنع أن تربح الحرب شكل الدولة بعد انتهائها. فالرهان الحقيقي ليس وقف الحرب فقط، بل منع انقطاع الدولة عن تاريخها ومستقبلها، وتثبيت أفق سياسي يقوم على دولة واحدة، بسلطة واحدة، ومعيار واحد للحكم. كل ما دون ذلك ليس حلًا، بل تأجيل لانهيارٍ آخر
على حماية مصالحها الوجودية. ومن هنا، يصبح دعم وحدة السودان واستمرارية دولته جزءًا لا يتجزأ من معادلة الاستقرار الإقليمي الأوسع.
ولا يعني هذا التحليل تبنّي مواقف أطراف بعينها، بقدر ما يعكس قراءة مؤسسية تعتبر بقاء الدولة وسلامة مؤسساتها شرطًا سابقًا لأي تسوية قابلة للحياة.
وبهذا المعنى، يصبح النقاش حول السودان نقاشًا حول بقاء الدولة بوصفها بنية حاكمة، لا حول إدارة صراعٍ عابر. كل تسوية لا تُعيد مركز القرار إلى الدولة إنما تُحوّل الحرب من جبهة إلى بنية حكم.
في المحصلة، لا يُقاس الاستقرار بتراجع الضجيج أو انخفاض وتيرة القتال، بل بعودة معيار واحد للحكم، لأن تعدد المعايير هو الوجه الآخر لاستدامة الأزمة. المعركة في السودان ليست على من يربح لحظة الحرب، بل على من يمنع أن تربح الحرب شكل الدولة بعد انتهائها. فالرهان الحقيقي ليس وقف الحرب فقط، بل منع انقطاع الدولة عن تاريخها ومستقبلها، وتثبيت أفق سياسي يقوم على دولة واحدة، بسلطة واحدة، ومعيار واحد للحكم. كل ما دون ذلك ليس حلًا، بل تأجيل لانهيارٍ آخر.


