مقالات

بالتلميح الصريح 

بالمختصر  د . عبدالكريم محيي الدين 

معظم الشعب السوداني كان يصنع الخمور البلدية في مناسباته قبل قوانين سبتمر 1983 و لا يستثنى من ذلك الريف و لا الحضر و لا بيوتات المشايخ و لا غيرهم …

كانت المحافل و الحفلات كلها تبرج و مجون و ذلك لا يختلف عليه اثنان لمن عاشر تلك الحقبة بالبلاد …

كانت هنالك أندية لمعاقرة الخمر و لعب القمار على رأس الأشهاد بل ترتفع رايات أعلى بيوت ( الأنادي ) جمع ( أنداية ) وهي محلات بيع الخمور ( المريسة ، الدقة ، العسلية و العرقي )

و بيوت الدعارة تقام جنباً إلى جنب مع تلك الأماكن الفاجرة و كل ذلك محمي بالقانون الذي نادت به قحت عندما جاءت لحكم السودان في الفترة الانتقالية المشئومة …

لكن اللائي يمتهن صناعة الخمور و بيعها و يمارسن المهن المصاحبة لها ما كان لهن أصل غير الافريقانية و الديانة المسيحية …

أغلب نساء الأندية الراقية المعروفة في الخرطوم العاصمة كن من جنسيات الأحباش و شمال افريقيا …

بعد قوانين الشريعة الاسلامية و الفضل فيها يرجع للرئيس نميري رحمه الله و للحركة الاسلامية السودانية تلاشت تلك المظاهر و لكن ثمة عمل غريب قد حدث …

نفس الجهة التي مارست التفرقة العنصرية بصناعة المناطق المقفولة في الجنوب سابقاً مارستها داخل المجتمع السوداني في الخفاء

فانتجت صنفاً آخر من أبناء الشعب الواحد يحمل في طياته إحساس التهميش و الأقلية الدينية و العرقية الإفريقية و الطبقية الدونية

و استقلت هذه الجهات قضايا النزوح إلى الوسط و الشمال …

و بالتأكيد سيجد النازحون مناطق الاستقرار افضل حالا و أكثر رقياً و أوسع تعليماً و تحضراً مما يزيد غبن التهميش المصطنع …

فالوسط اسهمت في رقيه مشاريع الجزيرة و حلفا و الرهد و السوكي و مشاريع الإعاشة التي تهيأت لإيجادها البيئة الجغرافية و امكانيات الإنجليز و اتفاقيات السد العالي …

و حوض النيل في الشمال شكل حضارةً منذ القدم بل منذ نشأت البشرية الأولى . لكن هذه الحضارة لم تبعد عن النيل أكثر من عشر كيلو مترات شرقاً أو غرباً حيث تجد الصحراء و معاناة البشر و الحيوان و النبات …

فالنازحون لا يعرفون هذه الحقائق و تظل التعبئة الخبيثة عالقة في نفوسهم . تزيدهم غبناً على غبنهم و تزيدهم تبلداً على اختلاف البيئات و قلة حيلة التكسب و العمل . فتتسع لديهم مفاهيم التهميش …

و مشروع الجزيرة ظل جاذباً حتى مطلع الثمانينات من القرن الماضي . و كما هاجر إليه أهل الشمال بجميع قبائلهم أيضاً جاءه أهل الغرب و كردفان بكافة لهجاتهم و سحناتهم و لكن هجرتهم جاءت متأخرة جداً . حيث انتهى تمليك الحواشات الزراعية و القرى السكنية ووجدوا المشروع في نهايات شبابه …

و عليه قامت الكنابي على حواف حواشات الملاك و على أطراف القرى و على شوارع الترع و المياجر . و ظل سكان الكنابي يحتفظون بعاداتهم و تقاليدهم التي أتوا بها دون مزجها مع أهالي الجزيرة …

أهالي الجزيرة في الغالب كانوا أصحاب الأرض قبل قيام المشروع و غالبيتهم من قبائل الكواهلة و رفاعة بكافة فروعها فوجودهم سابق و ملكيتهم للارض ثابتة عرقيتهم معروفة و حقوقهم محفوظة و يجب ألا يكون ذلك مسار خلاف أو دافع كراهية …

أما العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث ظلت محل غزو للنزوح و محل تكسب هامشي للنازحين من مناطق الجفاف و النزاع و أماكن المعيشة الشاقة و محل غزو مصطنع لخلق البطالة و تعطيل الانتاج الزراعي و الرعوي و الحيواني …

و بذلك أصبحت العاصمة تتمدد بالسكن العشوائي تزيد بالعطالة مما غذى مراكز الجريمة و زاد من الأعباء الأمنية و السياسية و المجتمعية …

فصارت جرائم السرقة و السطو و الخمور و المخدرات و تسعة طويلة ترتبط بجهات معينة و عرقيات بعينها و دونكم مضابط الشرطة و اصلاحيات السجون …

و كما ذكرنا أن جهات خلف هذا الارتباط العرقي بالجرائم . لاستمرار الكراهية العنصرية و تمهيدا للفوضى الخلاقة و انفراط العقد الأمني و انهيار أو تقسيم الدولة …

لابد من معالجة الجريمة المرتبطة بالعرق و الجهة بواسطة دراسات علمية عميقة و حكيمة . تحفظ السودان موحدا و تذيب البعد القبلي في مجتمع الدولة التي انهكتها مثل تلك الظواهر و أقعدتها عقلية البساطة و أصابع الاستهداف و استهتار الحكومات …

قانون الادارة الاهلية المرتقب يجب أن يستصحب تلك الظاهرة الخطرة . ذلك باتخاذ القبيلة وسيلةً لتذويب القبلية نهائياً . حتى يكون السودان في يوم ما قبيلة واحدة و حكومةً فدراليةً ذات مركز عادل و أقاليم ذات تحفيز جاذب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى