مرتبات موظفي دارفور… بين مقتضيات الأمن وواجب الإنصاف

مرتبات موظفي دارفور… بين مقتضيات الأمن وواجب الإنصاف
بقلم: عثمان شيخ الدين عكرة
في ظل واقع وطني شديد التعقيد والاحتقان، يصبح تناول القضايا الحساسة مسؤولية مضاعفة؛ إذ لا نبتغي تأجيجاً ولا اصطفافاً، وإنما نسعى إلى إضاءة مساحة من الظل عبر ما وصلنا من إفادات وشهادات متطابقة كانت سبباً مباشراً في كتابة هذه السطور.
خلال الأيام الماضية، تلقينا إفادات من موظفين في عدد من ولايات دارفور بشأن إيقاف مرتباتهم بدعوى وجودهم في مناطق سيطرة قوات قوات الدعم السريع. وبحسب ما ورد في تلك الإفادات، فإن الإجراء شمل فئات من الخدمة المدنية دون أن تتضح لهم بصورة كاملة معايير الإيقاف أو آليات المراجعة.
من المهم التأكيد ابتداءً أن للدولة، في ظروف الحرب، الحق في اتخاذ ما تراه من تدابير لحماية المال العام وضبط الصرف. هذا حق سيادي لا جدال فيه. لكن في المقابل، فإن العدالة الإدارية تقتضي أن تكون الإجراءات دقيقة، فردية، ومسنودة بتحرٍ مكتمل، لا أن تُفهم باعتبارها تعميماً واسعاً قد يطال من لا صلة لهم بأي نشاط خارج إطار وظائفهم المدنية.
الحاجة إلى وضوح المعايير
الإفادات التي حصلنا عليها تشير إلى تباين في التطبيق؛ فبينما أوقفت مرتبات بعض الموظفين، استمر صرف مرتبات آخرين في ظروف متشابهة، كما أفاد بعضهم بتوقف رواتبهم بعد مغادرتهم مناطقهم. هذه الوقائع – إن صحت – لا تعني بالضرورة وجود تعمد، لكنها تطرح حاجة ملحة إلى توضيح رسمي يبدد اللبس ويعيد الثقة.
كما علمنا بتكوين لجان للمراجعة، وهي خطوة مقدرة في اتجاه المعالجة المؤسسية. غير أن بطء انعقاد هذه اللجان أو تأخر حسمها – بحسب ما جاء في الإفادات – جعل كثيراً من المتضررين يعيشون حالة انتظار مفتوحة، في ظرف اقتصادي بالغ الصعوبة.
انسجام القرارات مع التوجهات العليا
المرحلة الراهنة شهدت تأكيدات متكررة من قيادة الدولة، وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، على أهمية التفريق بين المواطن المدني وبين من يشارك في الأعمال القتالية. ومن هذا المنطلق، فإن أي إجراء يمس موظفي الخدمة المدنية يحتاج إلى أن يُقرأ في سياق هذه الروح العامة التي توازن بين مقتضيات الأمن وحقوق المواطنين.
صمت مفهوم… لكنه مؤلم
كثير من الموظفين – وفق إفاداتهم – آثروا الصمت تقديراً لحساسية الظرف الوطني، وحرصاً على ألا يُفهم طرحهم باعتباره اصطفافاً أو استثماراً سياسياً. غير أن الصمت لا يلغي المعاناة اليومية التي يسببها توقف مورد الرزق، ولا يُغني عن الحاجة إلى معالجة عادلة وسريعة.
نحو مقاربة أكثر توازناً
في بيئة مشحونة، ربما يكون الأنسب هو اعتماد مقاربة تقوم على:
إعلان معايير واضحة ومكتوبة لإيقاف واستئناف الرواتب.
تسريع عمل لجان المراجعة ضمن جدول زمني محدد.
إتاحة قنوات تظلم إدارية معلنة.
إصدار توضيح رسمي يجيب على ما أُثير من تساؤلات.
إن الهدف من هذا الطرح ليس الاتهام ولا إصدار الأحكام، بل نقل ما وردنا من إفادات، وفتح باب المعالجة الهادئة التي تحفظ هيبة الدولة، وتصون حقوق موظفيها، وتعزز الثقة في عدالة القرار الإداري.
في أوقات الأزمات، تكون الحكمة في الموازنة: حماية الأمن من جهة، وصون الحقوق من جهة أخرى. وكلما اتسمت الإجراءات بالشفافية والاتساق، ضاقت مساحة التأويل، واتسعت مساحة الثقة.
والثقة اليوم، هي رأس مال الدولة الأثمن.


