أنوار البيان في تدبر القرآن – الحلقة رقم(4)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور
يقول الحق تبارك وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم :
﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾
[سورةمحمد: 24].
إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها،
وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد ..
نواصل سلسلة حلقاتنا في التدبر في كتاب الله ونتناول في هذه الحلقة سنة وراثة “الأرض” ونعيم “الجنان” كواحدة من سنن الله الماضية في خلقه، وسنعقبها بمشيئة الله في حلقات متتاليات بتناول فيها سنن: (التدافع ،التمكين ،الإستبدال وسنة التغيير)
أولاً: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم:
1. وراثة الأرض (قانون الصلاح):
{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}
[سورة الأنبياء: 105]
2. وراثة المستضعفين:
{وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا}
[سورة الأعراف: 137]
3. صفة الوارثين:
{أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
[سورة المؤمنون: 10-11]
4. وراثة الجنة (بسبب العمل):
{وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
[سورة الزخرف: 72]
5. شهادة أهل الجنة بالوراثة:
{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}
[سورة الزمر: 74]
ثانياً: المتن المسنود (أقوال العلماء)
“الوراثة” في اللغة تعني إنتقال الشيء من قوم إلى قوم آخرين دون معاوضة، وغالباً ما تكون بعد موت أو زوال المالك الأول.
أما (الوراثة) “ومشتقاتها” في القرآن كما ذكر العلماء فهي “تلازم” بين الأهلية والإستحقاق، فالله لم يقل “نعطيهم” بل قال {نورثهم}، ليدل على أن هذا الملك قد كُتب لهم منذ الأزل، وأن ملكية غيرهم له في الدنيا كانت “ملكية عارضة” ومؤقتة، وأن الحق يؤول في النهاية لأهله.
شروط وراثة الأرض:
يرى الإمام الطبري وابن كثير أن قول الحق {عبادي الصالحون} هو مفتاح “السر” فالصلاح هنا يشمل صلاح العقيدة وصلاح العمل في عمارة الأرض. والوراثة قد تقع في الدنيا (بالتمكين والغلبة) وتقع في الآخرة بوراثة أرض الجنة، فالله يُزيل ملك الظالمين ويجعل عاقبة الأرض لمن إتقى.
يلحظ الألوسي أن الوراثة سُنة مكتوبة في كل الكتب السماوية (الزبور والذكر)، مما يدل على ثبات هذا القانون الإلهي، فالعاقبة دائماً للتقوى، والباطل مهما علا فهو إلى زوال، والميراث في النهاية لأهل الحق.
أما الشيخ الشعراوي رحمه الله فيقول: “تأمل كلمة (يرثها)، الوارث يأخذ الشيء “صفواً عفواً” بعد تعب غيره ،فالظالم يحرث ويبني ويجمع الأموال (بكدحه)، ثم يأتي القدر الإلهي فيسلبها منه ويجعلها في يد الصالحين (وراثة). فكأن الظالم كان يعمل (خادماً) عند الصالحين ليجهز لهم الأرض ثم يرحل عنها! فسبحان من جعل تعب العاصي غنيمةً للمطيع”.
وعن وراثة المستضعفين: يقول الشعراوي في قصة فرعون: “قال تعالى {وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها}
[سورة الأعراف: 137]
” انظر إلى فرعون بنى الأهرامات والقصور والترع، وفي لحظة واحدة غرق، وورث بنو إسرائيل كل هذا (على جاهزية فرعون).
هذه هي الوراثة الإلهية، يتركك الله تبني بظلمك، حتى إذا إكتمل البناء، أهلكك وجعل الصالحين هم الوارثين”.
” وعن وراثة يقول الشعراوي في قصة فرعون: “قال تعالى {وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها} انظر، فرعون بنى الأهرامات والقصور والترع، وفي لحظة واحدة غرق، وورث بنو إسرائيل كل هذا (على جاهزية فرعون). هذه هي الوراثة الإلهية؛ يتركك الله تبني بظلمك، حتى إذا اكتمل البناء، أهلكك وجعل الصالحين هم الوارثين”.
وراثة الجنة:
إذا كانت وراثة الأرض مفهومة بإعتبار أنها من سنن الله المشاهدة فماذا عن وراثة الجنة؟
يرى الإمام الرازي سراً لطيفاً في قوله {أورثتموها}، وهو أن لكل إنسان (مؤمناً كان أو كافراً) منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فإذا دخل المؤمن الجنة ورث نصيب الكافر الذي كان له لو آمن، وإذا دخل الكافر النار ورث نصيب المؤمن الذي كان له لو كفر. فالوراثة هنا هي إنتقال “نصيب الغائب” إلى “الحاضر المستحق”.
وعن قوله تعالى (وأورثنا الأرض) في الجنة: يبدع الشعراوي في تحليل {آية: 74} من سورة الزمر بقوله :
“قد يسأل سائل: أهل الجنة في الجنة، فلماذا يقولون (أورثنا الأرض)؟ والجواب: لأن الجنة هي (أرض الخلود)، أو لأنهم ورثوا السيادة التي كانت لأهل الأرض الزائلة. وقيل: أنهم ورثوا (مكان) كل من حُرم من الجنة، فصارت الأرض وما عليها وما تحتها ملكاً خالصاً لهم بيقين الوعد”.
أما عن الوراثة والعمل: فيلحظ الشيخ الشعراوي ملحظاً نفيساً دقيقا ،حيث يقول: “الله قال {بما كنتم تعملون} مع أن الجنة لا تُنال بالعمل وحده بل برحمة الله. ولكن سمى الدخول (وراثة) ليُشعرك بالملكية الثابتة التي لا نزاع فيها، وربطها بـ (العمل) ليُعلمك أن الموافقة بين جهدك في الدنيا وعطاء الله في الآخرة هي التي تُحقق لك صفة الوارث. فمن لم يزرع في (أرض التكليف) لا يرث في (أرض الجزاء)”الصالحين هم الوارثين”.
خلاصة الوقفات التدبرية:
• سُنة الوراثة هي “كلمة الفصل” في صراع الحق والباطل؛ فالباطل مستأجر والأرض مِلك صاحب الدار، والمؤمن هو الوارث الحقيقي بعهد الله. فاصبر على وعثاء الطريق، وأعلم أن ما تراه في يد الظالمين هو “عهدة” ستؤول إليك أو إلى أمثالك من الصالحين بمرسومٍ إلهي لا يُرد.
• ميراثُ الجنانِ ما هو إلا حصادُ غراسِكَ في أرضِ التكليفِ؛ فبقدرِ كدحِكَ في الدنيا، يكونُ استحقاقُكَ للوراثةِ في الآخرة.”
اللهم اجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتمه ،وخير أيامي يوم لقاك
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
نواصل غدا بمشيئة الله….



