مقالات

أنوار البيان في تدبر القرآن – الحلقة رقم (13)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور

يقول الحق تبارك وتعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾

[سورة محمد: 24]

إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.

في هذه الحلقة من سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم نبحر بكل إجلال وتعظيم في رحاب البيان القرآني، حيث نقف أمام بديع الألفاظ الربانية التي تتجاوز حدود الحروف لتصوغ “وعياً جديداً” يربط الوجدان السليم بمنابع الحقيقة، في سبك إعجازي بديع يمنح الخبر الصادق سطوة العيان، ليتحرر المؤمن من سجن “المادية” وضيق “المشاهدة العينية” القاصرة، ويرتقي إلى براح اليقين المطلق ليكون ما أخبر به الخالق، أثبت في القلب وأجلى في الروح مما تدركه الأبصار وتلمسه الأيدي.

أولا: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم:

(1) صيغة (ألم ترَ / ألم تروا):

قوله تعالى:

﴿أَلَمۡ تَرَ كَیۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَـٰبِ ٱلۡفِیلِ﴾

[سورة الفيل: 1].

﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِی حَاۤجَّ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ فِی رَبِّهِۦۤ﴾

[سورة البقرة: 258].

قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ یُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾

[سورة النور: 41].

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾

[ سورة الفجر: 6]

﴿أَلَمۡ تَرَوۡا۟ كَیۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَـٰوَ ٰ⁠تٍ طِبَاقࣰا﴾

[سورة نوح: 15].

 (2)صيغة (أولم يَرَ / أولم يروا):

قوله تعالى:

﴿أَوَلَمۡ یَرَ ٱلۡإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَـٰهُ مِن نُّطۡفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِیمࣱ مُّبِینࣱ﴾

[سورة يس: 77].

﴿أَوَلَمۡ یَرَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقࣰا فَفَتَقۡنَـٰهُمَاۖ﴾

[سورة الأنبياء: 30].

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَاۤءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ﴾

[سورة السجدة: 27].

{أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}

(سورة العنكبوت: 19)

ثانيا: المتن بأقوال العلماء:

الفرق الجوهري والعمق الدلالي (الواو العاطفة):

يرى علماء التفسير وعلماء البلاغة كـ الزمخشري في “الكشاف” وأبي السعود أن وجود “الواو” في (أولم) ليس عبثاً، بل له وظيفة ربطٍ كبرى:

(ألم ترَ):

الهمزة للإستفهام، و”لم” للنفي، والنفي الداخل على النفي (تقرير).

هي تأتي لفتح ملفٍ جديد من الإعتبار، وكأن الله يقول: “انظر إلى هذا المشهد العجيب”.

(أولم يروا):

الواو هنا هي “واو العطف”، وهي تقتضي أن هناك كلاماً محذوفاً قبلها، أو أنها تعطف الرؤية على حالة سابقة من الغفلة.

التقدير عند المفسرين: “أغفلوا ولم يروا؟” أو “أكفروا ولم يروا؟”. فهي تأتي في سياق (التوبيخ) على غفلةٍ مستمرة رغم وضوح الآيات.

يقول المفسرون أن هنالك فرقا نفسيا في قوله تعالى: (ألم ترَ) ،ففيها لفت نظر وتشويق، بينما : (أولم يروا) فيها قرعٌ للعقول وتأنيبٌ على عدم الإعتبار بما هو ظاهر أمام أعينهم.

إعلام الحق” فوق “مشاهدة الخلق:

تتجلى في التعبير القرآني بصيغة “ألم تر” أو “ألم يروا” قمة درجات اليقين التي تتجاوز محدودية الحواس؛ فالله عز وجل حين يخاطب نبيه أو عباده بلفظ الرؤية عن أحداث غيبية أو ماضوية لم يشهدوها، فإنه ينقلهم من “علم اليقين” إلى “حق اليقين” استناداً إلى صدق المُخبر.

“يقول الحق سبحانه للنبي ﷺ في خبر “أصحاب الفيل” (ألم ترَ) فيما لم يره بلفظ الرؤية لأن الإخبار بالشيء من الحق تبارك وتعالى، يجب أن يكون أوثق من رؤية الشيء رأى العين، فبصرك قد يخدعك، لكن الله لا يخدعك، فكأنه يقول لك أن :

“علمك بإخباري لك يجب أن يتساوى مع المشاهدة العينية في اليقين، بل يفوقها.”

ويضيف الشيخ الشعراوي حول الفرق بين (ألم ترَ) و (أولم يروا):

“(ألم ترَ) خطابٌ للمؤمن أو للنبي ليزداد يقيناً أو ليعجب من قدرة ربه. أما (أولم يروا) فالواو جاءت لتقول للجاحدين:

“أعندكم كل هذه الأدلة في الكون ومع ذلك لم تروا؟ الواو هنا (واو الحال)، أي والحال أن الآيات تملأ الكون، كيف لم تقع رؤيتكم عليها؟”

أقوال العلماء والمفسرين في المخاطب والمقصد:

يرى الإمام الرازي:

“أن الخطاب في (ألم ترَ) إذا وُجه للنبي ﷺ فهو تشريفٌ له بإطلاعه على غيبه، وإذا وُجه للناس فهو بمعنى “ألم يبلغكم بلَاغاً يقوم مقام الرؤية؟”، فالعلم المستفيض الذي لا يشك فيه عاقل ينزله القرآن منزلة الرؤية البصرية.

ويوضح الشيخ الشعراوي:

“أن الله استعمل “ألم تر” مع النبي ﷺ كما في حادثة الفيل وهو لم يعاصرها، لأن الرؤية البصرية قد يداخلها الوهم أو الخداع البصري، أما الإخبار الإلهي فهو معصوم من الزلل؛ فكأن الله يقول: يا محمد، إن لم تكن قد رأيت بعينك، فقد رأيت بعلمي، وعلمي أصدق من عينك. فاليقين هنا ليس مستمداً من “المشاهدة” بل من “المشاهد”، وهو الله سبحانه”.

يرى كبار المفسرين أن “ألم تر” هنا تعني “ألم تعلم”، ولكن إستعارة الرؤية للعلم تأكيد على أن “خبر الله” أصدق من “رؤية العين”. ويقول الإمام الفخر الرازي في “التفسير الكبير”: “إنما قال ‘ألم تر’ والعلم بالشيء عن طريق الخبر لا يسمى رؤية، لأن اليقين الحاصل بخبر الله تعالى كاليقين الحاصل بالرؤية في كونه جلياً لا يقبل الشك”.

ويؤصل الإمام الغزالي في “مشكاة الأنوار” لهذه الرتبة بقوله:

“إن نور البصيرة أقوى من نور البصر، فالبصر قد يخطئ فيرى الكبير صغيراً، أما البصيرة المسددة بنور الوحي فلا تزيغ”. لذا فإن “أولم يروا” هنا دعوة للانتقال من مجرد النظر الحسي العابر إلى الإستبصار الوجداني الذي يورث حق اليقين.

أما إبن كثير فيشير إلى :

“أن (أولم يروا) غالباً ما تأتي في سياق الآيات الكونية التي تتكرر (سوق الماء، خلق النطفة)، وهي أمور تقع تحت بصرهم دائماً، فجاءت (أولم) لتوبخهم على “تعطيل الحواس” عن الوظيفة الإيمانية.

يتأرجح العمق في الآيات “الرؤية” بين (الرؤية البصرية) للآيات الكونية المشاهدة مثل الجبال وخلق الإنسان وغيرها من الآيات المشاهدة و(الرؤية القلبية/العلمية) للأمور التاريخية أو الغيبية والقرآن يدمجهما ليعلمنا أن “اليقين” واحد.

للشيخ الشعراوي، ملمحا دقيقا حول هذه النقطة إذ يقول

“أن الله حين يسأل “ألم تر” عن شيء غيبي، فإنه يرفع درجة “العلم” عند المؤمن لتساوي “المشاهدة” في القوة والثبات. يقول الشعراوي: “إن الله يريد منك أن تستقبل خبره بيقين يفوق رؤية عينك، لأن عينك قد تخدعك، لكنَّ الله لا يخدعك أبداً”. فـ “ألم يروا” هي نقلة نوعية من الاستدلال بالعقل (علم اليقين) إلى الإستغراق في شهود عظمة الخالق (حق اليقين)، حيث يصبح الغيب عند المؤمن مشهداً، والوعد واقعاً، وكأن الآية تفتح نافذة في الروح ليرى بها ما لا تدركه الأبصار.

فقول الحق تعالى بالرؤية في أحداث لم يروها: فهو سر ” كمال اليقين”، فالقرآن يرفع درجة “الخبر الإلهي” إلى درجة “المشاهدة”.

: يقول بعض العلماء أن الله تعالى عندما يقول: (ألم ترَ) لحدث مضى،:

“أنه بذلك “يقهر الزمن” فهو ينزع عنه صفة “الماضي” ويجعله “حاضراً” في وعي المؤمن، وذلك لإقامة الحجة على من وصله خبرٌ يقيني عن الله، فكأنه شاهده، فلا عذر له في جحوده.

ثالثا: خلاصة الوقفات التدبرية:

• إن سيادة الإخبار الإلهي على المشاهدة الحسية في قوله تعالى “ألم تر” هو إعلانٌ رباني بأن خبر الله أصدق من عينك؛ فالعين قد يدركها الوهم، أما خبر الحق فهو “عين الحق”.

• أن الله حين يقول “ألم تر” عما لم نره، فإنه يمنحنا “عين ثقته”؛ لنبصر بعلمه ما عجزت عنه جوارحنا، فتصبح الرؤية هنا “رؤية قلبية” موصولة بنور الخالق الذي لا يغيب.

• إستخدام صيغة الرؤية يبث الطمأنينة والتثبيت في قلب المخاطب، فكأن الله يضع المشهد بين يديه ليلمسه بقلبه.

• إن في قوله تعالى: (ألم ترَ) دعوةٌ من الله لك لتبصر بقلبك ما عجزت عنه عينك، و(أولم يروا) تحذيرٌ لك من أن تمر على آيات الله وعينك مفتوحة وقلبك مغلق. فالعبرة ليست بوقوع الشعاع على العين، بل بوقوع المعنى على الفؤاد.

اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَي مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْني وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَي بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا.

اللهم صل على نبينا نور الأنوار ، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا مزيدا

نواصل غدا بمشيئة الله…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى