أنوار البيان في تدبر القرآن -الحلقة رقم (18)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور
“بلاغة النظم بين الحذف والإثبات”
يقول الحق تبارك وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾
[سورة محمد: 24]
إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.
نواصل سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم ونقف في هذه الحلقة عند دقة وإعجاز “النظم القرآني”، وهو مبحث تدبري توقف عنده كبار المفسرين واللغويين (كالزمخشري في الكشاف، والرازي، وابن عاشور).
إنّ المتأمل في كتاب الله يدرك أن الحرف الواحد لا يوضع إلا بميزان، ولا يُحذف إلا لبيان.
نقف اليوم أمام مشهدين كونيين سورة الواقعة:
• مشهد الزرع:
• مشهد الماء:
وفي كليهما قدرةٌ إلهية على تبديل النعمة، لكننا نلحظ أن النظم القرآني خصّ الزرع بـ (اللام) في قوله:
{لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا}،
وجرّد الماء منها في قوله: {جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا}.
هذا الفارق الدقيق ليس تنويعاً لفظياً، بل هو غوصٌ مخاطبة ذات دلالات للنفس البشرية في الجحود، وقوة الإحتمال العقلية، كما يقول بذلك وما إستنبطه الفحول ك”الزمخشري والرازي وابن عاشور”.
أولا: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم:
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ}
[سورةالواقعة: 63 – 65]
{أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ}
[سورة الواقعة: 68 – 70]
ثانيا: المتن المسنود بأقوال العلماء:
يتوقف كبار المفسرين واللغويين عند هذا الفارق اللغوي بين وجود “اللام” وحذفها وفق الدلالات التالية:
1. دلالة “قوة الإمتناع” :
لماذا جاءت “لام” التوكيد مع الزرع؟
{لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا}.
الزرع يحتاج إلى مجهود بشري شاق (حرث، وبذر، وسقي، ورعاية). فالإنسان عندما يرى ثمرة تعبه قد نمت، يتملكه شعور بـ “الإستحقاق” ويسكن إلى أن الزرع سيحصد يقيناً.
هنا جاءت “لام التوكيد” لتصدم هذا الركون النفسي؛ فكأن الله يقول:
“لا تغتروا بجهدكم، فبرغم تعبكم وقرب الحصاد، نحن قادرون على تحويله إلى “حطام” في لحظة، فالتوكيد هنا لكسر كبرياء “الحارث” الذي ظن أنه ملك الثمرة.
2. دلالة “الأصل المعهود”
لماذا “اللام”حُذفت مع الماء؟
{لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا}.
الحذف هنا لأن الماء نزل من السماء عذباً بفضل الله المحض دون جهد من الإنسان (أأنتم أنزلتموه؟)، والماء المالح (الأجاج) موجود بالفعل في البحار وهو يمثل المساحة الأكبر من كوكب الأرض.
تم الحذف هنا لأن تحويل الماء العذب إلى مالح أمر “مشهود” ومألوف للعقل (فالبحار مالحة والأنهار عذبة)، لذا لم يحتج الأمر إلى توكيد شديد باللام، لأن قدرة الله على جعل الماء أجاجاً هي “الأصل” في مياه الأرض، والعذوبة هي “الإستثناء”.
فحذف اللام هنا يشير إلى “يسر القدرة” وعدم حاجة البديهة لتوكيد ما هو واقع ومحسوس.
3. مقدمات تلقي الصدمة:
تأمل ما جاء بعد كل آية:
مع الزرع قال تعالى:
{فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُون} (أي تعجبون وتتحسرون على جهدكم الضائع).
هنا النفس في حالة صدمة وتحتاج لـ “لام التوكيد” قبل وقوع الحدث لتعلم أن الأمر كله بيد الله.
أما مع الماء يقول: {فَلَوْلَا تَشْكُرُون}.
الماء ضرورة حياتية يومية لا يتدخل فيها جهد البشر، فالمنطق يقتضي الشكر المباشر دون الحاجة لمؤكدات على قدرة الله في سلبه، لأن العطش كفيل بتذكير الإنسان بضعفه.
4. المقاربة العلمية والكونية
الحطام:
هو تغير في “ماهية” الشيء (من حي أخضر إلى ميت يابس)، وهذا التغير “الجذري” يحتاج لتوكيد الفعل.
الأجاج:
هو تغير في “طعم” الشيء (من عذب إلى مالح) مع بقاء أصل المادة (ماء)، وهذا التغير “الصفاتي” أخف في التصور من فناء الشيء.
أشار الإمام الزمخشري (في الكشاف):
إلى أن الزرع عندما كان الإنسان يكدّ فيه ويعمل، كانت النفس إليه أركن، فجاء التوكيد باللام لقطع ذلك الركون وإعلامه أن التعب لا يضمن النتيجة إلا بمشيئة الله.
أما الإمام الرازي: فيرى أن حذف اللام في الماء لأن “الملوحة” صفة عارضة للماء والماء أصلها.
أما “الحطام” فهو فناء للغرض المقصود من الزرع بالكلية، فاحتاج التهديد بالإفناء الكلي إلى تغليظ بالتوكيد.
يقول الشيخ الشعراوي -رحمه الله- :
إن الله عز وجل أراد أن ينبهنا أن تعبك في الأرض ليس هو الذي أوجد الزرع، ف”اللام” هنا هي “لام الصدمة” للغرور البشري، أما في الماء فالعجز البشري فيه ظاهر من البداية، فأنت لم تشق السحاب ولم تنزل المطر، لذا كانت القدرة على تحويله ملحاً أجاجاً حقيقة بديهية لا تحتاج لتأكيد المحقق بقدر ما تحتاج للإمتنان والشكر.
ثالثا: خلاصة الوقفات التدبرية:
• إن التوكيد باللام في “الزرع” يعلمنا أن الجهد البشري مهما عظم يظل تحت سيادة المشيئة الإلهية، واللام هنا “للوقاية” من العجب بالعمل.
• دخول اللام على الزرع فيه”تأديب وتذكير للمزارع” الذي قد ينسى فضل الله وينسب الفضل لجهده، وحذفها من الماء هو “تنبيه للشارب” الذي يتمتع بنعمة جاهزة، فكأن السياق يقول:
إن جعل الماء أجاجاً أهون عندنا مما تتصور، فلا تغفل عن الشكر.
• حذف اللام في “الماء” يشير إلى أن الأصل في المادة (الماء) هو “الملوحة” الغالبة على الكوكب، وأن بقاء عذوبته هو “لطف مستمر” والله قادر على تبديله بل هو أهون عنده تبارك وتعالى مما نتصور.
اللهم إني أسألك الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، ما علمت منه وما لم أعلم
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله، صلاة تكون لنا طريقاً لقربه، وتأكيداً لحبه، وباباً لجمعنا عليه، وهدية مقبولة بين يديه.
نواصل غدا بمشيئة الله تعالى…



