مقالات

أنوار البيان في تدبر القرآن الحلقة : رقم: (23)  

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور

يقول الحق تبارك وتعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾

[سورة محمد: 24]

إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.

نواصل سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم ونقف في هذه الحلقة عند سنة “التغيير” لنتدارس كنه “التغيير” في القرآن الكريم وننتقل به من مجرد نصيحة أخلاقية إلى فعل ومعادلة دقيقة طرفاها:

(إرادة العبد) و (فعل الرب).

 لنفهم كيف يتحول “المستضعف” إلى “مُمكّن” من خلال ثورة الباطن.

ف”التغيير” هو سنّةً من سنن الله الماضية، وقد أودع الله في النفس البشرية القدرة والحرية لإدارة “محرّكات” مقادير الوجود ب”قرار سيادي”.

أولاً: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم

يقول الحق تبارك وتعالى:

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْۗ}

[سورة الرعد: 11]

{ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}

[سورة الأنفال: 53]

{وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}

[سورة الرعد: 11]

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}

[سورة آل عمران: 139]

ثانياً: المتن المسنود بأقوال العلماء:

تأصيل مفهوم “التغيير” اللغة والبيان:

التغيير لغةً:

مشتق من مادة (غ ي ر)، وهو إحداثُ شيءٍ لم يكن قبله، أو تحويل الشيء من حالٍ إلى حال.

وفي لسان العرب، “غَيَّرَهُ”: جعله غير ما كان عليه؛ وهو فعلٌ ينطوي على “الإنتقال” من السكون إلى الحركة.

التغيير إصطلاحاً:

هو الجهد الواعي والمقصود الذي يبذله الإنسان لتحويل الواقع الراهن إلى واقعٍ منشود، وهو في المنظور الإسلامي “استجابةٌ إرادية” لأوامر الله تهدف إلى مواءمة الباطن مع الحق.

التغيير بياناً وتدبراً:

نجد أن القرآن الكريم رفع التغيير إلى مرتبة “الثورة الوجودية”؛ فهو ليس مجرد تبديل مادي، بل هو “هندسة العودة إلى الفطرة” لضمان تدفق المدد الإلهي.

البيان القرآني لم يقل “إن الله يبدّل”، بل قال {لَا يُغَيِّرُ}؛ ليدلل على أن الجوهر الإنساني ثابت، والعبد هو الذي يُحدث فيه “الغيرية” نكوصاً عن الطرق أو عودة إليه.

يقرر الفقهاء والمفسرون أنَّ التغيير ورد في سياقين يمثلان “جدلية النعمة والنقمة”:

• آية الرعد: هي قانون الصعود والتمكين:

يرى الإمام الطبري أنها:

آية عامة في التحول من الضيق إلى السعة.

ويذهب الفخر الرازي إلى:

“أنها تنفي عن الله “الظلم الابتدائي”؛ فالله لا يبتدئ القوم بالبلاء إلا بظلم اجترحوه، ولا يرفعه إلا بثورة نفسية تعيدهم للحق”.

إنها “قانون للحركة” ونداء “أمل” للمنكسرين بأن مفاتيح “التغيير” في خزائن “الأنفس” و”الدواخل”.

• آية الأنفال: هي قانون النزول والسلب: يلحظ الإمام القرطبي أنها مسبوقة بكلمة “نعمة”؛ فهي تحذير لأهل الرخاء، فالنعمة لها “عقد ضمان” طرفه الأول (شكر الباطن). ويشير العلامة الألوسي أن “التعبير” بـ “لم يكُ مغيراً”:

“فيه نفيٌ للشأن؛ أي ليس من شأن الكريم أن يسلب عطاءً بدأه بفضله إلا إذا أحدث العبدُ “كدر المعصية”.

إذن: آية الرعد هي “شرط التمكين” (منهاج الحركة)،

وآية الأنفال هي “سبب التدمير” (منهاج الصيانة).

• “ما بالنفس” ومركزية الوعي:

تبدأ عملية “التغيير” من “الجذر” النفسي؛ ويطرح إبن القيم (في مدارج السالكين) فكرةً عميقة؛ وهي أن:

“العالم الظاهر” هو مجرد ظل لـ “العالم الباطن”، فمن رغب في “إستقامة” الظل فليقوم العود.

وهذا ما يؤكده الإمام الراغب الأصفهاني بأن: “ما بالنفس” هو الهيئة الراسخة التي إذا تغيرت، تحركت لها أرسان القدر.

هذا التحول يمتد ليصبح “روحاً عامة”.

كما يلحظ سيد قطب في قوله (ما بقوم)، أن “التمكين” لا ينزل إلا حين يتحول الوعي الفردي إلى “يقين جمعي”.

سيكولوجية التحول وعلاج “الوهن”

حين نقف عند قوله تعالى:{حَتَّى يُغَيِّرُوا} نجد أن القرآن يكسر حالة (ميل النفس للجمود) عبر إستدعاء “المعية الإلهية” كجبرٍ للوهن البشري.

وعن الترياق للوهن: يقول الإمام القرطبي: “النهي عن الوهن هو نهيٌ عن إستكانة القلب لغير الله”. فالوهن هو مرض “الإنفصال”، والمعية هي علاج “الإتصال”.

 يلمح الشيخ الشعراوي:

“أن الضعف البشري هو عين القوة إذا إستند إلى القوي سبحانه؛ فالغصن الضعيف الذي تمسكه يدٌ قوية لا ينكسر”، فالمعية هنا هي (قيّومية ناصرة) تجعل المستضعف يخرق قوانين الفيزياء المادية متى إمتلأ قلبه باليقين في قوله تعالى:

{كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي}.

إنَّ العجز يتبخر حين يدرك الضعيف أنَّ حركته مؤيدة بـ (فعّال لما يريد)، فكلما إزداد إنكسار العبد وتذلله، إزداد إقترابا من “المعية”

“أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي”

ويواصل الشيخ الشعراوي وقفاته الفلسفية…

حيث يقول:

أن (القرار السيادي بيد “العبد” ف”الله” لم يقل (حتى يتغير) بل (يغيروا)، جعل “العبد” هو صاحب القرار السيادي؛ فإذا تحركت نحو “الطهر”، سارع القدر إليك بالتمكين”.

مضيفا: بأن “النفس هي الصندوق الأسود؛ فإذا نظفتها من الغل والحسد، وأمراض النفوس، صارت وعاءً صالحاً لإستقبال أنوار التمكين ما يحدث لنا هو “صدى” لما نحدثه في أنفسنا؛ فالله يُنزه عن العشوائية في توزيع الأقدار”.

“ميكانيكا” الطاقة الروحية و”هندسة” الترددات الإيمانية:

بمجرد حدوث الإتصال (المعية)، تنبعث في النفس “طاقة إيجابية” سماوية المنشأ تأتي من:

• المدد النوري: يقول تبارك وتعالى:

{أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا}. التغيير هنا هو “إحياء طاقي” يرفع تردد النفس من “الوهن” إلى “الإستعلاء”.

•الطمأنينة،”ضبط الموجة” والاتزان القلبي:

تعد “الطمأنينة” في المفهوم القرآني من أعلى مراتب السكون النفسي الذي يسبق “الانفجار الإيجابي” في عالم المادة؛

 فالله تعالى حسم ضبط التردد القلبي في قوله: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.

ف”الطمأنينة” ليست مجرد “هدوء” بل هي “تردد عالي” من اليقين يطرد طاقات الخوف والحزن (التي تمثل أدنى مستويات الطاقة النفسية)، وعندما يطمئن القلب، فإنه يتحرر من ضجيج القلق، مما يجعل النفس وعاءً صافياً لإستقبال “إلهامات” التغيير.

يقول الإمام الغزالي: “الطمأنينة هي سكون القلب إلى الشيء وعدم “إضطرابه”، وهي ثبات “الثقة” بالله في مواجهة عواصف الأسباب”.

وحين يسكن القلب “بالإطمئنان”، يكتسب العبد قدرة هائلة على الرؤية الواضحة، فالقلب “المضطرب” كالماء العكر لا يرى الحقيقة، والقلب “المطمئن” كالمرآة الصافية ينعكس فيها نور التوفيق.

• “الصبر”وهو “المُفاعل الطاقي المستدام:

إذا كانت الطمأنينة هي “حال” القلب، فإن الصبر هو “وقود” الحركة وعملية “التخزين الطاقي” التي تمنح العبد نَفساً طويلاً في طريق التحول، فإذا إنقطع الصبر، إنقطعت طاقة “التغيير” في الروح. والصبر هو الضمانة الوحيدة لبقاء الفعل المضارع (يغيروا) مشتعلاً ومستكشفاً لآفاقٍ جديدة؛ فهو الذي يحمي “الزلزلة الباطنيه” من الخمود قبل أن تحقق أثرها في الخارج، وهو الذي يحول “الإنكسار” إلى “إنتصار” عبر “تراكم القوة الخفية”.

خلاصة الوقفات التدبرية:

• الآية تقرر حقيقة “العدل الإلهي المطلق”؛

محورية التغيير الجواني (العلة والمعلول):

 فالله لا يتدخل لتغيير واقع القوم (عزاً أو ذلاً) إلا ك”إستجابةٍ” لنداءٍ باطني أنطلق من أعماق نفوسهم فالتغيير الخارجي هو “معلول” لعلةٍ باطنة، ومن أراد إستقامة “الظل” فليقوم “العود” أولاً.

• في تعليق فعل الرب {لَا يُغَيِّرُ} على فعل العبد {حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا}، تشريفٌ عظيم لمكانة الإرادة الحرة وتكليفٌ ثقيل للمسؤولية الفردية والجمعية. إن الله رهن “سلطان قدره” بـ “سلطان اختيارك”، مما يجعل العبد هو الشريك الفاعل في صناعة سياقه الوجودي.

• التدبر في قوله {يُغَيِّرُوا} (بصيغة المضارع والفاعلية) ينقل النفس من خانة “الضحية” التي تنتظر معجزة القدر، إلى خانة “الفاعل” الذي يستنزل المدد بالحركة. التغيير يبدأ من كسر “الأصنام الذهنية” والمخططات النفسية التي توحي بالعجز، واستبدالها بيقين المعية.

• من وقفات سورة الأنفال، ندرك أن النعمة ليست مجرد عطاء، بل هي “أمانة” يحميها شكر النفس. فالتغيير النفسي نحو الجحود أو الكبر هو “ثقبٌ” في جدار الحماية يؤدي حتماً إلى سلب العطاء. “فاحذر أن تُغيّر طاعتك، فيُغيّر الله سترك”.

• التغيير ليس طفرةً مفاجئة، بل هو فعلٌ مستمر (مضارع)، والطمأنينة تمنحه “الإتزان”، والصبر يمنحه “الإستمرارية”. والتمكين ليس نتاج “ضربة حظ”، بل هو نتيجة تراكم “الطاقة الروحية” التي تبلغ ذروتها حين تتوافق إرادة “القوم” مع مراد “القيوم”.

• “النفس هي ميزان الوجود؛ فما “إستقام” فيها إستقام في الواقع، وما “إعوجَّ” فيها إنحرف في القدر، فكن أنت “التغيير” الذي ترجوه من من ربك

اللهم أسألك الجنة ونعيمها، وأعوذ بك من النار وجحيمها.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد

خير الأنام، ونور الأنام صلاة دائمة بلا انقطاع، ما دامت السماوات والأرض.

نواصل غدا بمشيئة الله تعالى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى