مقالات

أنوار البيان في تدبر القرآن : الحلقة رقم (24)

“التمكين” إقامة الحق وإصلاح الأرض

يقول الحق تبارك وتعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾

[سورة محمد: 24]

إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.

نواصل سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم

 نتابع الحلقة رحلتنا في سبر أغوار “فقه السنن الإلهية”، لنقف عند سنة “التمكين”؛ تلك الغاية التي تنشدها الأمم، والتي كشف القرآن الكريم أنها ليست مجرد سيطرة “مادية” أو غلبة “عسكرية”، بل هي “إستخلافٌ” رباني مشروط بمنهجٍ “إلهي”.

أولاً: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم:

 الوعد الإلهي القاطع بالإستخلاف:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ}

[سورة النور: 55]

وظيفة “التمكين” وأمانة الدولة:

{الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}

[سورة الحج: 41]

“التمكين” بعد الإستضعاف الصابر:

{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ () وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}

[سورة القصص: 5 /6]

ثانياً: المتن المسنود بأقوال العلماء:

توطئة لغوية وبيانية:

“التمكين” في اللغة مأخوذ من “المكانة” و”المكنة”، وهو أن يجعل الله للعبد أو للأمة

شروط “السيادة” وأمانة “الإستخلاف”

وقدرةً على إنفاذ الأمر والإستقرار في الأرض.

التدبر في آيات التمكين يكشف لنا عن “توافق” دقيق بين “صلاح الباطن” و”علو الظاهر”؛ ف”التمكين” في المنظور القرآني ليس غاية في ذاته، بل هو “وسيلة” لإقامة منهج الله.

فإذا حققت “شروط” العبودية، إستوجبت “وعد” الرب ب”التمكين”.

التمكين وعدٌ مشروط:

 يرى الإمام القرطبي وابن كثير أن التمكين في سورة النور معلقٌ بشرطين لا ينفكان: (الإيمان، والعمل الصالح). فليس كل مَن مَلَكَ الأرض مُـمَكناً “تمكين كرامة”، بل قد يكون “تمكين إستدراج”. أما “التمكين” الموعود فهو الذي يعقبه الأمن التام والسيادة للدين.

الربط بين العبادة والقوة “التمكين”:

يوضح الإمام الرازي أن آية سورة الحج حصرت وظائف الدولة الـمُمكّنة في أربعة أركان:

• الصلة: بالخالق “الصلاة”

• التكافل الاجتماعي: “الزكاة”

• الرقابة القيمية: ” الأمر بالمعروف

•والنهي عن المنكر”.

فإذا غابت هذه الغايات، سُلب التمكين لانتفاء علته.

الصبر من لوازم “التمكين”:

يلحظ الألوسي أن “التمكين” غالباً ما يسبقه “ابتلاء وإستضعاف” لتمحيص الصف.

فالله يمكّن لمن يصبر على “المحنة” مع الحفاظ على “المنهج”، فتكون الأرض ميراثاً للصابرين المتقين.

يقول الشيخ الشعراوي عن كلمة (ليستخلفنهم) الواردة في الآية:

“انظر إلى الفعل (إستخلف)؛ السين والتاء للطلب، أي أن الله يجعلكم (خلفاء) عنه في تنفيذ مراده في خلقه، والخليفة لا يضع لنفسه قانوناً، بل ينفذ قانون مَن إستخلفه. فإذا أردت “التمكين”، فكن مرآةً لشرع الله في الأرض، تُـمكّن لك الأقدارُ بغير حول منك ولا قوة”.

ويقول فضيلته عن الآية:

(الذي ارتضى لهم):

“الله لا يُمكّن لأي دين، بل لـ (دينهم الذي ارتضى لهم)؛ أي “المنهج” الصافي من البدع والأهواء، ف”التمكين” الحقيقي هو تمكين “المنهج” في قلوب الناس قبل تمكين “الأجساد” على كراسي “السلطة”. فإذا إرتضيتَ الله “رباً”، إرتضى اللهُ لك “السيادة”.

الفرق بين المُلْك والتمكين:

يلحظ الشعراوي ملحظاً دقيقاً حول الفرق بين الملك و”التمكين” بقوله:

“قد يملك الكافر الأرض، لكنه ليس مُمكّناً؛ لأنه يعيش في خوفٍ دائم من زوال ملكه، أما المؤمن الـمُمكّن فهو يعيش في (أمن) كما قال تعالى {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}. فالأمن هو ثمرة التمكين الحقيقي، والظالم لا أمن له وإن ملك الدنيا”.

وفي معنى (أقاموا الصلاة) بعد “التمكين”:

يقول الشيخ الشعراوي:

“لماذا ذكر الصلاة أولاً عند “التمكين”؟

ويجيب:

“لأن السلطة قد تُطغي الإنسان وتنسيه عبوديته. فإذا مكنك الله، فافتح أبواب السماء بالصلاة قبل أن تفتح أبواب الأرض بالسياسة لأن “التمكين” إختبارٌ للشكر، كما كان الإستضعاف اختباراً للصبر”.

خلاصة الوقفات التدبرية:

• سنة التمكين هي “جائزة الإستقامة”؛ فلا تُطلب السلطة لذاتها، بل لخدمة الحق. ف”التمكين” القرآني هو عقدٌ بين العبد وربه: (أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً):

 مقابل (ليستخلفنهم في الأرض)”

فمن وفّى ب”العقد”، وفّى الله له ب”الوعد”.

• “التمكين” منحة “إختيار” لا صك “إستقرار”، و”التمكين” في المنظور القرآني ليس غاية في ذاته، بل هو “قنطرة” للإختبار؛ والله يُمكّن للعبد ليرى “أيشكر” أم “يكفر” مما يجعل “التمكين” تكليفاً “ثقيلاً” يسبق كونه “تشريفاً” جليلاً.

• هنالك صلة عضوية بين السجود والسيادة فلا يستقيم تمكينٌ في الأرض إلا بتمام الخضوع لرب السماء؛ فكلما زاد العبد تذللاً بعبادته، زاده الله تعزيزاً في ولايته،

“الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة”.

• “التمكين” لا يُنال بالتمني، بل هو ثمرة نضوج بين “صبر” على البلاء و”يقين” بموعود الله؛ ف”الصبر” يحمي البناء من التصدع، و”اليقين” يصحح “الرؤية” ويوجه “المسار”.

• “التمكين” يكون ب”القيم” لا ب”القوة” “فالقوة المادية” وسيلة، لكن “القوة القيمية” (إقامة الحق والعدل) هي الروح؛ فكم من “مُمكّنٍ” نُزِع ملكه لغياب “العدل”، وكم من “مستضعف” ورث الأرض ب”صلاح” النية والعدل والعمل.

• “التمكين” عطاء “رباني” يُجريه الحق على يد الخلق؛ فالمُمكن الحقيقي هو من يفهم أن يده هي “أداة تنفيذ” لمشيئة الله، فيتحرك بمراد الله لا بمراد نفسه.

• الفرق الجوهري بين تمكين “المؤمن” وتمكين “الطاغية” هو “الوجهة”:

الأول يبني ليبقى “الأثر”، والثاني يهدم ليبرز “الذات”.

•” التمكين” الحقيقي يُبنى في الخفاء عبر سنوات الإعداد والمكابدة، وما الظهور على مسرح السيادة إلا اللحظة التي استوت فيها الثمرة على سوقها.

اللهم ياغنى يا حميد يا مبدئ يا معيد يارحيم يا ودود، أكفنى بحلالك عن حرامك، واغنينى بفضلك عمن سواك.

اللهم صل على صاحب التاج والمعراج سيدنا محمد ﷺ ، الرحمة المهداة ،والنعمة المسداة وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.

د

نواصل غدا بمشيئة الله تعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى