أنوار البيان في تدبر القرآن : الحلقة رقم (26)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور
الحلقة رقم (26)
“أسرار تطاير الصحف ونشر التوثيق الإلهي “
يقول الحق تبارك وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾
[سورة محمد: 24]
إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.
نواصل سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم ونقف في هذه الحلقة عند نشر الصحائف في يوم الموقف العظيم ولنعلم أن ما من كلمة تخرج، ولا خلجة تختلج، إلا ولها سجلٌ يحفظها.
إن تطاير الصحف هو اللحظة التي يواجه فيها الإنسان أصدق مرآة لعمله، إن خير: فخير، وإن شرٌ: فشر
أولا: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم:
يقول الحق تبارك وتعالى:
{وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ}
[سورة التكوير: 10].
{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [سورة الإسراء: 13-14].
{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ}
[سورة الحاقة: 19].
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}
[سورة الكهف: 49].
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾
[سورة العاديات – الآيات 9-10]
تانيا: المتن المسنود بأقوال العلماء:
حقيقة النشر وتطاير الصحف:
“التطاير” هو تفرق الصحف من تحت العرش ليأخذ كل عبد كتابه.
و”النشر” هو بسطها بعد أن كانت مطوية في القبور.
يذكر في الإمام القرطبي:
“أن الناس في هذا الموقف يكونون في ذهول عظيم، لا ينظر أحد إلى أحد حتى يعلم أين يقع كتابه، فإذا أخذ الكتاب إستنار وجه “المؤمن” أو إسود وجه “الكافر”.
يلحظ الشيخ الشعراوي لطيفة بيانية في إستخدام الحق عزوجل لكلمة “نشرت”: يقول الشيخ:
“أن الله إستخدم كلمة “نُشرت” ولم يقل “فُتحت”؛ لأن النشر يقتضي أن ما كان مطوياً ومستوراً في الدنيا صار مكشوفاً مشاعاً، وكأن العمل الذي حرصت على إخفائه صار هو الخبر المنشور الذي لا يُنكر”.
يشرح الإمام ابن القيم في معنى:
“ألزمنه طائره في عنقه”
بأن العمل لا يفارق صاحبه كالطوق الذي لا يفارق العنق، حتى يُعرض عليه يوم القيامة صوتاً وصورةً ومعنى،
وأن الطائر الذي ألزمه الله في العنق هو ما قدّمه العبد من خير أو شر، وسُمي طائراً لأن العمل “يطير” من العبد إلى السجل، ليعود إليه يوم القيامة “كتاباً منشوراً” يراه بأم عينه.
زلزال “تحصيل ما في الصدور”:
“التحصيل” هو أصل العدل، فقبل الحساب الظاهري، يقع “التحصيل” وهو إستخراج لباب الشيء وخلاصته.
ويفسر الإمام الطبري”حُصّل” :
بأنها عملية “إبراز” وتمييز لكل ما أضمره الإنسان، فلم يقتصر التوثيق على الجوارح، بل يشمل “نوايا القلوب”.
يقول الشيخ الشعراوي عن التحصيل:
“إن الحق سبحانه حين قال “وحُصّل ما في الصدور”، أراد أن يخبرنا أن “الصدر” هو الوعاء، ولكن “التحصيل” هو إستخراج المادة المخبوءة، فكم من عمل ظاهره الصلاح وباطنه الرياء، وفي ذلك اليوم يُقشر “القشر” ويُعرض “اللب”، فتكون الفضيحة أو النجاة بناءً على ما وقر في الصدر.
يشير إبن كثير:
“إلى أن الله قرن بين بعثرة القبور وتحصيل الصدور؛ ليعلم العبد أن إعادة البناء (الجسد) وسيلة، والغاية هي محاكمة النية (الصدر).
كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة:
يذكر الإمام الفخر الرازي في “مفاتيح الغيب:
” أن تقديم “الصغيرة” على “الكبيرة” في الآية هو لبيان مدى الدقة المذهلة؛ فإذا كان الكتاب لا يترك “اللمحة” و”الهمسة”، فكيف بالجرائم الكبرى؟
ويتوقف الشيخ الشعراوي عند قول المجرمين “ما لهذا الكتاب”، ويقول:
“إنهم لم ينكروا ما فيه، بل ذُهلوا من “شُموليته”. الكتاب هنا لا يكتب (الفعل) فقط، بل يسجل (الواقعة) بظروفها، فكأنك تشاهد فيلم حياتك بتفاصيله التي غابت عن ذاكرتك وحفظها كتاب ربك”.
المشاهد التصويرية لهول العرض:
تبدأ المشاهد التصويرية “بالإستلام”:
فالمؤمن حين يستلم كتابه بيمينه، تتملكه فرحة غامرة تخرجه عن صمته فيصيح في الخلائق: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ}.
ويرى الشيخ الشعراوي في هذه الصيحة قمة “الأمان”؛ فالإنسان لا يدعو الناس لقراءة كتابه إلا إذا كان واثقاً من جمال ما فيه.
أما من أوتي كتابه من وراء ظهره، فقد جُعل كتابه وراءه لأن عمله في الدنيا كان خلف ظهره، فكان الجزاء من جنس العمل.
يبدع الشيخ الشعراوي في وصف الكتاة والتدوين وتوثيق أعمال الخلق حيث يقول:
“أن الله غني عن الكتابة، لكنه كتب “من أجلنا نحن” لإقامة الحجة القاطعة التي لا مجال فيها للإنكار، فالتوثيق رحمة ب”العبد” وإقامة “للعدل”.
و يلحظ الشيخ الشعراوي أن حركة اليد لإستلام الكتاب هي حركة “آلية” يحركها العمل، وليست حركة “إختيارية”، فاليمنى تمتد طاعةً، واليسرى تنقبض خجلاً أو تُمد من وراء الظهر خزياً.
يصف الإمام البغوي أرض المحشر في تلك اللحظة:
“بأنها أرض “صمت وترقب”، حيث لا يُسمع إلا “خفق الصحف” وهي تتطاير في الهواء، وكل يد تنتظر قدرها المحتوم”.
خلاصة الوقفات التدبرية
• إن الواحد منا لا نعيش في فراغ، بل يعيش في “استديو إلهي” يُسجل “النية” قبل “الحركة”، فعلينا أن نستشعر بأننا تحت “الرقابة الإلهية” في كل لحظة وحين.
• إن التدبر في “تطاير الصحف” يزرع في القلب حياءً من الله، إذ كيف تقدم على فعل المنكرات والتي تخجل أنت من قراءته؟.
• عندما يقول الله تبارك وتعالى:
{كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}، فإنه يُقيم الحجة عليك منك. وكما يقول ف”الله” لم يظلمك بمحاسب غريب، بل جعلك الخصم والحكم في آن واحد، لتعترف بلسانك بعجزك عن الإنكار.
• إذا كان “تحصيل ما في الصدور” هو حقيقة الموقف، فمن الواجب علينا اليوم “تنظيف” هذه الصدور من الأحقاد والرياء، ليكون :المحصول” غداً ناصعاً تبيضّ به الوجه.
• إن الصحف التي “لا تغادر صغيرة” تُعلمنا أن جبال الذنوب هي من حصى الصغائر، وأن بحار الحسنات هي من قطرات الاستغفار.
• أخيرا: إن يوم نشر الصحف هو يوم الحقيقة المطلقة، حيث تزال “الأقنعة” وتنكشف “السرائر”.
فيجب أن يكون إيماننا بتطاير الصحف ليس مجرد “عقيدة غيبية”، بل هو “منهج حياة” يضبط القول، ويقوم السلوك، ويطهر السريرة.
فاجعلوا من أيامكم صفحات تسركم قراءتها غداً، واستعدوا للحظة التي يُقال فيها لكل واحد منا: “اقرأ كتابك”.ض
اللهم في يوم تطاير الصحف، نسألك أن تؤتيني كتابي بيميني، وأن تجعلني ممن يُحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.
نواصل غدا بمشيئة الله تعالى…



