
في الأيام القليلة الماضية، ومع تصاعد التوترات على خلفية المواجهة الإقليمية والدولية، سارعت دول عديدة —من جمهورية مصر العربية إلى ماليزيا— باتخاذ تدابير استباقية لمواجهة التداعيات المحتملة. وتعكس هذه التحركات إدراكاً مبكراً لطبيعة المرحلة، واستعداداً عملياً لتقليل الخسائر وتعزيز القدرة على الصمود.
وفي المقابل، يفرض هذا المشهد الإقليمي تساؤلاً مشروعاً: أين يقف السودان من هذه التحولات؟ وهو الذي يعيش وضعاً استثنائيأ معقداً، تتداخل فيه الحرب الداخلية مع أزمات اقتصادية خانقة؛ مما يجعله أكثر الدول حاجة إلى الاستباق لا الانتظار. إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من “إدارة ردود الأفعال” إلى “إدارة المخاطر الاستراتيجية”.
تأمين أساسيات الحياة.. خط الدفاع الأول: أثبتت التجارب أن الدول لا تنهار بفعل الحروب وحدها، بل حين تفقد السيطرة على الغذاء والطاقة. وعليه، يجب منح الأولوية القصوى لتأمين احتياجات المواطن الأساسية، وذلك عبر بناء مخزون استراتيجي كافٍ من الغذاء والدواء والوقود، وتأمين سلاسل الإمداد، لا سيما الموانئ وطرق النقل الحيوية.
كما يتطلب الأمر فرض رقابة صارمة على الأسواق لمنع الاحتكار والتلاعب، وإنشاء غرفة طوارئ مركزية تعمل على مدار الساعة لإدارة الإمدادات؛ فاستقرار حياة المواطن يمثل الحجر الأساس الذي تُبنى عليه بقية معادلات الاستقرار السياسي والأمني.
دعم الإنتاج الوطني.. ركيزة الصمود: في ظل اضطراب الإمدادات العالمية، يصبح الاعتماد على الخارج مخاطرة استراتيجية، مما يجعل دعم الإنتاج المحلي ضرورة لا بديل عنها. ويتحقق ذلك بتوفير مدخلات الإنتاج الزراعي في الوقت المناسب وبأسعار مقبولة، وتأمين المواسم الزراعية من التهديدات الأمنية واللوجستية.
إن دعم التمويل الزراعي وتسهيل وصول الموارد للمزارعين، مع التوسع في استخدام الطاقة البديلة لتقليل كلفة الإنتاج، يهدف إلى تحقيق حد أدنى من الاكتفاء الذاتي، وتقليل الاعتماد على الواردات التي تستنزف العملة الصعبة وتضع قرارنا الوطني تحت رحمة التقلبات الخارجية.
إدارة الطاقة بواقعية الطوارئ: مع الاعتماد الكبير على استيراد المشتقات البترولية، يصبح ملف الطاقة أحد أخطر التحديات، مما يستدعي تنويع مصادر الاستيراد، والحد من التهريب، وتقليل الفاقد في عمليات التوزيع، مع إعطاء الأولوية للقطاعات الحيوية، والاستثمار في الطاقة الشمسية كخيار استراتيجي مستدام.
التقشف الذكي وحماية الموارد: في ظل شح الموارد، يصبح ضبط الإنفاق ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل، وذلك عبر إيقاف السفر الخارجي غير الضروري، وتقليص الوفود الرسمية، وخفض النفقات التشغيلية غير الحيوية، وتوجيه الموارد نحو الأولويات القصوى مع تعزيز آليات الرقابة على المال العام.
إدارة العملة الصعبة ووقف النزيف: يمثل الحفاظ على النقد الأجنبي ركيزة أساسية للاستقرار، ويتحقق ذلك بتقنين الاستيراد وقصره على الضروريات، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتحفيز تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية، ودعم الصادرات لزيادة التدفقات؛ فكل مورد يُهدر يمثل عبئاً إضافياً على كاهل الدولة.
خاتمة: بين الاستعداد والانكشاف: ما يشهده الإقليم اليوم ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر على مرحلة مضطربة تتطلب أعلى درجات الجاهزية. والسودان لا يملك ترف التأجيل؛ فإما أن يُدار بعقلية استباقية قائمة على الانضباط، أو يُترك لدوامة التحديات. خارطة الطريق واضحة: تأمين الغذاء، دعم الإنتاج، وضبط الإنفاق.. فالدول لا تنهار لقلة مواردها، بل لسوء إدارتها.



