
في قلب عالمٍ مضطرب، لم تعد التوترات في الشرق الأوسط مجرد نزاعات إقليمية عابرة، لكنها تحولت إلى عامل حاسم يعيد تشكيل موازين الاقتصاد العالمي. فالدور الذي تلعبه Iran، سواء عبر نفوذها المباشر أو عبر حلفائها في المنطقة، بات يمتد أثره إلى ما هو أبعد من حدود الجغرافيا، ليصل إلى أسواق المال والطاقة والتجارة الدولية.
من يراقب المشهد عن كثب، يدرك أن القضية ليست مجرد صراع سياسي، هي معركة نفوذ على مفاصل الاقتصاد العالمي.
فالمواجهة غير المباشرة في دول مثل Yemen وSyria وLebanon خلقت بيئة دائمة من عدم الاستقرار، وهي البيئة التي تكرهها الأسواق، وتفر منها الاستثمارات، وتنهار فيها العملات.
لكن التأثير الأخطر يظهر في شرايين الطاقة العالمية. فكل توتر قرب Strait of Hormuz ليس مجرد خبر سياسي، هو إنذار اقتصادي عالمي. هذا الممر الضيق يحمل على عاتقه جزءًا ضخمًا من إمدادات النفط، وأي تهديد له يعني ببساطة ارتفاعًا في الأسعار، وزيادة في تكاليف الإنتاج، وتضخمًا يطال كل بيت في العالم، من China إلى Germany.
ولا يقل خطرًا عن ذلك ما يجري في Bab el-Mandeb، حيث تتحول التجارة العالمية إلى رهينة للصواريخ والطائرات المسيّرة. هنا، لا تتوقف الخسائر عند حدود النفط، لكنها تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، فتتأخر الشحنات، وترتفع تكاليف التأمين، ويُعاد تسعير كل شيء—from الغذاء إلى التكنولوجيا.
سياسيًا، تمارس Iran ما يمكن وصفه بـ”استراتيجية الاستنزاف الذكي”، حيث لا تدخل في مواجهة شاملة، لكن تدير صراعات منخفضة الحدة تُبقي خصومها في حالة استنزاف دائم. هذه الاستراتيجية تُجبر دولًا مثل Saudi Arabia وUnited Arab Emirates على توجيه موارد ضخمة نحو الأمن والدفاع بدلًا من التنمية، ما يبطئ مشاريع التحول الاقتصادي الطموحة.
وفي المقابل، ترد القوى الكبرى بأسلوب مختلف: العقوبات. لكن هذه العقوبات المفروضة على Iran لم تعد مجرد أداة ضغط، ولكن تحولت إلى عامل اضطراب عالمي. فهي تقلص المعروض النفطي أحيانًا، وتدفع إيران للبحث عن تحالفات بديلة، خاصة مع China وRussia، ما يسرّع من تشكّل نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب.
النتيجة النهائية؟ عالم أكثر هشاشة.
أسواق أكثر تقلبًا.
واقتصاد عالمي بات رهينة لشرارة قد تنطلق من مضيق ضيق أو صراع محلي.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع نفوذ، هو إعادة صياغة لقواعد اللعبة الدولية. فإما أن تنجح القوى الإقليمية والدولية في احتواء هذا التوتر، أو أن العالم مقبل على مرحلة طويلة من “اقتصاد الأزمات”، حيث تصبح الحروب غير المباشرة هي المحرك الخفي للأسعار، والاستقرار هو الاستثناء لا القاعدة.
في الشرق الأوسط… السياسة تكتب، لكن الاقتصاد هو من يدفع الثمن.


