
▪️”والغافل من ظنَّ الأشياء هي الأشياء”، قالها الشاعر الفيتوري، وتجسدت بوضوح في عملية انشقاق القائد العائد من المليشيا اللواء النور قُبّة. فليس كل انشقاق انشقاقًا، وليس كل استقبال استقبالًا. ما جرى مع النور أحمد آدم “قُبّة” يُقرأ كعملية متكاملة جمعت القرار السياسي بالعمل الاستخباري والتنفيذ الميداني. وتقزيمه إلى “مجهود فردي” يتجاهل أن ما حدث هو نقل للحرب من المواجهة المباشرة إلى تفكيك الخصم من الداخل.
▪️في أدبيات العمل الاستخباري لدى أجهزة كبرى مثل الموساد ووكالة المخابرات المركزية، تُدار التحولات الكبرى عبر الاختراق والتواصل وإعادة التموضع داخل بنية الخصم. وما جرى يُقرأ في هذا الاتجاه، لكن بأدوات محلية قوامها العقل البشري وشبكات العلاقات أكثر من التكنولوجيا.
▪️المعطيات السياسية تعزز هذه القراءة. فالفريق أول عبد الفتاح البرهان لم يدخل دارفور كضابط عابر، بل عمل فيها منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتدرّج في مواقع عسكرية وإدارية جعلته جزءًا من نسيجها الاجتماعي.
▪️هذه الخبرة لم تكن معرفة سطحية، بل بناءً طويلًا ومؤسسًا لعلاقات متينة مع القيادات الأهلية والعسكرية، من زالنجي وجبل مرة إلى بوادي شمال دارفور. ومع نشوء حرس الحدود ثم الدعم السريع، تحولت هذه المعرفة إلى قنوات تواصل حية لم تنقطع حتى في ذروة الثورة والتغيير السياسي وفترة الشراكة الانتقالية.
▪️هنا يتقاطع البعد السياسي مع الاستخباري. فإدارة مثل هذه العملية لا تقوم فقط على المعلومة، بل على الثقة المتراكمة. وقرار الانشقاق في بيئة معقدة لا يُتخذ بضمانات عسكرية فقط، بل بضمانات شخصية وسياسية، وهو ما وفرته هذه الشبكة.
▪️وفي هذا الإطار، تكتسب الخلفية الأكاديمية للبرهان أهمية خاصة. فدراسته في مجال الخداع العسكري الاستراتيجي تعكس فهمًا لمنهج يقوم على توجيه إدراك الخصم قبل مواجهته؛ أي خلق انطباعات مضللة، وإدارة التوقيت، وتحريك الوقائع بحيث يفقد الطرف الآخر القدرة على الاستجابة الفعالة. وما حدث في مسارات عملية انشقاق قُبّة يحمل ملامح هذا النهج: تحرك محسوب، وتوقيت دقيق، وسرية محكمة لم تتسرب إلا في مراحل متأخرة، دون أن تؤثر على التنفيذ أو النتيجة.
▪️بهذا المعنى، لم تكن العملية مجرد “إخلاء”، بل مناورة سياسية–استخبارية أعادت ترتيب المشهد. فاستقبال البرهان للنور قُبّة، وما رافقه من إشارات رمزية، لا يُفهم بمعزل عن هذا السياق. هو تثبيت لثقة سابقة، ورسالة مباشرة بأن التحول ممكن ومضمون، وأن من يعيد تموضعه يجد مكانًا داخل المعادلة الجديدة.
▪️الانتقادات التي اختزلت المشهد في “مظهرية” الاستقبال أو تفاصيله، تغفل أن هذا جزء من أدوات الحرب. ففي بيئات مثل دارفور، حيث يتداخل الاجتماعي بالسياسي، تصبح الإشارات والرسائل الشخصية أكثر تأثيرًا من البيانات الرسمية والقيود البروتوكولية. لذلك، فإن تقدير شخصية بحجم “قُبّة” وإظهار ذلك علنًا هو جزء من إدارة المعركة، لا خروج عنها.
▪️في المقابل، كشفت العملية عن خلل منهجي داخل المليشيا، ليس في الإمكانات بقدر ما هو في إدارة المعلومة والقرار. فامتلاك أدوات متقدمة لا يكفي إن لم تُستخدم في الوقت المناسب، وهو ما أدى إلى فقدان القدرة على التأثير في لحظة حاسمة.
خلاصة القول ومنتهاه
▪️انشقاق النور قُبّة ليس حادثة منفصلة، بل نموذج متصل لعمل متكامل تتداخل فيه السياسة بالاستخبارات. وقد أثبتت التجربة أن العامل الحاسم ليس حجم الإمكانات، بل القدرة على توظيفها عبر فهم عميق للبيئة والإنسان والتوقيت. وبين كتم ودنقلا، تجلّى هذا المعنى بوضوح:
المعركة تُحسم حين يُعاد تشكيل الداخل، لا حين يشتد الخارج.



