مقالات

ترس الشمال”؟ بين حق التعبير وواجب بناء الدولة

مسارات. د.نجلاء حسين المكابرابي

مسارات. د.نجلاء حسين المكابرابي

في كل مرحلة انتقالية أو ظرف استثنائي تمر به الدول، تظهر أشكال مختلفة من الحراك المجتمعي والسياسي، تعكس حجم التحديات التي تواجهها، كما تعبر عن رغبة قطاعات من المواطنين في إيصال أصواتهم إلى صناع القرار. وفي السودان، برزت خلال السنوات الماضية مبادرات وتجمعات ذات طابع جهوي أو مطلبي، من بينها ما عُرف بـ”ترس الشمال”، الأمر الذي يطرح سؤالًا مهمًا: هل يحتاج السودان اليوم إلى مثل هذه التجمعات؟

الإجابة لا تحتمل نعم أو لا بصورة مطلقة، لكنها تتوقف على طبيعة هذه التجمعات، وأهدافها، ووسائل عملها، ومدى التزامها بالمصلحة الوطنية.

فمن حيث المبدأ، فإن وجود تجمعات مدنية تعبر عن مطالب المواطنين يمثل ظاهرة طبيعية في أي مجتمع يسعى إلى ترسيخ المشاركة العامة. ومن حق المواطنين تنظيم أنفسهم والتعبير عن قضاياهم، والمطالبة بالتنمية والخدمات والعدالة، شريطة أن يتم ذلك في إطار القانون، وبما يحفظ حقوق الآخرين.

لكن التحدي يبدأ عندما تتحول بعض أشكال الاحتجاج إلى وسائل تعطل مصالح المواطنين، أو تؤثر في حركة التجارة والإمدادات والخدمات الأساسية. ففي بلد يواجه تحديات اقتصادية وإنسانية وأمنية كبيرة مثل السودان، قد تؤدي أي تعطيلات واسعة إلى زيادة معاناة المواطنين وإضعاف فرص التعافي.

والسودان اليوم بحاجة إلى توحيد الجهود أكثر من حاجته إلى تعميق الانقسامات. فالتحديات التي تواجه البلاد لا تقتصر على إقليم أو ولاية بعينها، وأعتقد انها تمتد إلى مختلف أنحاء الوطن، الأمر الذي يجعل الأولوية هي بناء قنوات مؤسسية للحوار، وتعزيز المشاركة في صنع القرار، وتمكين المجتمعات المحلية من إيصال مطالبها بوسائل فعالة وسلمية.

ولا يعني ذلك التقليل من مشروعية المطالب التنموية التي ترفعها المجتمعات المحلية، على العكس تماما ، فإن معالجة أسباب التهميش وتحقيق تنمية متوازنة بين الأقاليم تمثل جزءًا أساسيًا من بناء دولة مستقرة. فكلما استجابت المؤسسات لمطالب المواطنين بقدر أكبر من الشفافية والعدالة، تراجعت الحاجة إلى أساليب الضغط الاستثنائية.

إن السودان بحاجة إلى تجمعات وطنية توحد ولا تفرق، تبني ولا تهدم، وتدافع عن الحقوق دون أن تمس حقوق الآخرين. فالحراك المجتمعي يصبح قوة إيجابية عندما يسهم في تقديم الحلول، ويعزز الحوار، ويرسخ قيم المسؤولية المشتركة.

ويبقى مستقبل السودان مرهونًا بقدرته على تحويل طاقات مجتمعه من ساحات الاحتجاج الدائم إلى ميادين البناء والإصلاح. فالدول لا تنهض بكثرة المتاريس، وإنما بقوة المؤسسات، وعدالة القوانين، وثقة المواطنين في أن أصواتهم مسموعة، وأن مطالبهم تجد طريقها إلى التنفيذ.

وبين حق المواطنين في التعبير عن قضاياهم، وواجب الدولة في حماية المصلحة العامة، يبقى التوازن هو الطريق الأقرب إلى بناء سودان أكثر استقرارًا وعدالة، يكون فيه الحوار بديلاً للتصعيد، والشراكة الوطنية أساسًا للمستقبل.

                                            دمتم زخرا للوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى