مقالات

من ليونيداس إلى مهند فضل… حين يصنع الثبات أسطورة الميدان

 د. عبدالناصر سلم حامد سلم

نكتب عن رجال غيّروا تاريخنا وألبسونا رداء العز في زمن كان الوطن أحوج ما يكون فيه إلى من يرفع رأسه. نكتب عن أولئك الذين لم يبحثوا عن مكان في الذاكرة، لكن مواقفهم هي التي صنعت لهم ذلك المكان؛ رجال مرّوا من ميادين الخطر، فتركوا وراءهم أسماء لا تمر كما تمر بقية الأسماء. ومهند إبراهيم فضل واحد من هؤلاء.

لم أعرف مهند من كثرة ما قيل عنه، ولم يبدأ حضوره عندي من لقب «أسد المدرعات»؛ عرفته من موقف واحد كان كافيًا ليجعل اسمه مرتبطًا عندي بالبسالة. وفي سيرته تبدو ثلاثة مشاهد كأنها تختصر جانبًا كبيرًا من شخصيته: اعتكافه في أواخر رمضان، وأذانه من قلب المدرعات، ثم كلمتاه في ساعة الفقد: «قدام بس».

عندما اندلعت الحرب في منتصف أبريل 2023، في أواخر شهر رمضان، كان مهند معتكفًا في المسجد. أكمل اعتكافه، ثم اتجه إلى سلاح المدرعات والتحق بالمقاتلين مع بدايات الحرب. قد تبدو المسافة بعيدة بين محراب مسجد وساحة قتال، لكن في قصة مهند خيطٌ يصل بينهما؛ فالرجل الذي بدأ أيام الحرب في خلوة الاعتكاف سيعرفه السودانيون لاحقًا من خلال صوته، حين خرج الأذان من قلب مكان كان كثيرون يخشون سقوطه.

وبالنسبة إليّ، هناك بدأت قصة مهند الحقيقية. كنت قد خرجت من السودان وأتابع الحرب من بعيد، ومن عاش تجربة أن يكون خارج بلده بينما الحرب تدور فيه يعرف صعوبة ذلك الشعور؛ الأخبار كثيرة، والشائعات أكثر، وأنت بعيد بالجسد وقريب بكل مشاعرك، ولا تملك سوى أن تتابع وتنتظر. وفي واحدة من أصعب الفترات على المدرعات، انتشرت الأخبار عن سقوطها، وبصراحة كنت قد بدأت أخشى أن الأمر ربما انتهى وأن المدرعات ستسقط. كانت الأخبار ثقيلة، والوضع يبدو شديد الصعوبة، والقلق يكبر مع كل ساعة.

وفي تلك اللحظة ظهر مهند في المقطع الذي بقي حاضرًا في ذاكرتي، واقفًا في قلب المدرعات يرفع الأذان بين المقاتلين. لم يكن المشهد في ظاهره يحتاج إلى كثير من الشرح؛ رجل يقف ويؤذن، ومن حوله رفاقه والحرب. لكن بعض الصور لا تستمد قوتها مما نراه فيها فقط، وإنما من اللحظة التي تأتي فيها. في الخارج كنا ننتظر خبرًا من المدرعات، وفي الداخل كان الأذان يخرج منها؛ وبين انتظارنا وصوته تغير معنى المشهد كله.

لم أعرف عدد القوات، ولا حجم الذخيرة، ولا تفاصيل الخطط العسكرية، ولم تتغير أمامي الخريطة؛ لكنني رأيت شيئًا لا تظهره الخرائط: معنويات الرجال. قلت لنفسي يومها إن المدرعات لن تسقط. كان في ذلك المشهد شيء يجعلني أوقن أن المكان الذي يقف رجاله بهذه الروح لن يكون اقتحامه أمرًا سهلًا، وأن من يريد الوصول إليه سيدفع ثمنًا باهظًا. ومضت الأيام، وبقيت المدرعات صامدة، ولم تسقط كما كانت تقول الشائعات وكما خشي كثيرون في تلك الساعات.

لم يكن ذلك تحليلًا عسكريًا، وإنما إحساس رجل خرج من السودان ويتابع وطنه من بعيد وقد بدأ يفقد يقينه. كنت في الخارج يزداد شكي، وكان مهند في الداخل يقدم صورة مختلفة تمامًا: صورة الثبات. ومنذ ذلك اليوم لم يعد مهند فضل بالنسبة إليّ مجرد اسم يمر في أخبار الحرب؛ أصبح موقفًا.

وهنا أعادني المشهد، عبر أكثر من ألفي عام، إلى ليونيداس. ففي عام 480 قبل الميلاد وقف ملك إسبرطة مع قوة يونانية عند ممر ترموبيل في مواجهة الجيش الفارسي بقيادة خشايارشا. انتهت المعركة بمقتل ليونيداس ومن بقي معه، وعبر الفرس الممر. لم تكن ترموبيل انتصارًا عسكريًا له، لكن التاريخ احتفظ بشيء أبعد من نتيجة المعركة؛ مضت الجيوش والممالك وبقي اسم الرجل، لأن الذاكرة لم تحتفظ فقط بمن عبر الممر، بل بمن وقف فيه.

عبر الفرس ترموبيل، وعبر ليونيداس إلى التاريخ.

وهنا يلتقي ليونيداس بمهند فضل في ذهني. ليست مقارنة بين جيشين أو معركتين، ولا بين سيف ومدرعة، ولا محاولة لجعل الخرطوم إسبرطة أخرى؛ فلكل رجل زمنه وقصته. لكن هناك معنى يجمع الصورتين: أن يرتبط اسم الرجل بالمكان لأنه ثبت فيه عندما اعتقد كثيرون أن النهاية اقتربت.

ولهذا أقول: مهند فضل… ليونيداس المدرعات. لا لأصنع من الرجل نسخة من بطل عاش قبل آلاف السنين، بل لأستعين بالتاريخ في وصف موقف رأيته بعيني. فلكل وطن رجاله، ولكل زمن أبطاله؛ فالزمن يتغير، لكن معنى الثبات لا يتغير كثيرًا.

ولم يكن الأذان هو الموقف الوحيد الذي بقي من مهند في ذاكرة رفاقه ومحبيه. فبعد استشهاد اللواء أيوب عبد القادر، كان الحزن ثقيلًا على رجال المدرعات، خصوصًا أن الفقد جاء فوق ضغط القتال والإرهاق. وفي تلك الظروف ظهر مهند مع رفيقه يوسف العالم في مقطع مصور، يتحدث بهدوء عن الصبر ويحاول رفع معنويات الرجال، ومن هناك بقيت عبارته البسيطة: «قدام بس».

كلمتان فقط، لكن الكلمات تأخذ قيمتها من اللحظة التي تقال فيها. عندما يفقد الرجال قائدًا ورفيقًا وهم في قلب المعركة، يصبح للكلمة البسيطة وزن مختلف. كان معناها واضحًا: نحزن، ونفقد رفاقنا، لكن الطريق لم ينتهِ. وهكذا تكامل المشهدان؛ في لحظة الخوف جاء الأذان من قلب المدرعات، وفي لحظة الفقد جاءت «قدام بس». لم تكن المسألة في كثرة الكلام، وإنما في أن يظهر حين كان الرجال في حاجة إلى كلمة تثبّتهم.

وربما لهذا لا أحب وصف المقاتل بأنه «رجل من حديد»؛ فالحديد لا يخاف أصلًا حتى نصفه بالشجاع. المقاتل إنسان، له أهل وأصدقاء، يعرف الخوف والتعب والفقد، ويفكر في الحياة والموت مثل أي إنسان آخر. ولهذا أفضل أن أقول عن مهند إنه كان إنسانًا داخل الحديد. فالذي يعطي الشجاعة قيمتها ليس أن الإنسان لا يخاف، وإنما أن يعرف الخوف ثم يواصل؛ ليست البطولة أن يتحول الإنسان إلى حديد، بل أن يبقى إنسانًا بكل ما فيه، ثم لا يسمح للخوف بأن يختار عنه موقفه.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختصار صمود المدرعات في رجل واحد مهما بلغت مكانته. خلف مهند كان هناك رجال كثيرون؛ بعضهم عرفهم الناس، وبعضهم لم تظهر صورهم ولم يسمع الجمهور أسماءهم. منهم من ثبت في موقعه، ومن حمل جريحًا، ومن أدى واجبه في صمت، ومن رحل دون أن يتحول اسمه إلى قصة متداولة. ولهذا لا أرى مهند بديلًا عن رجال المدرعات؛ أراه واحدًا منهم، لكنه أصبح بالنسبة لكثيرين وجهًا يختصر شيئًا من قصتهم. في مشهد الأذان كان الصوت صوته، لكن الرجال الذين كانوا حوله كانوا جزءًا من معنى المشهد نفسه.

ولم تنتهِ رحلة مهند في المدرعات؛ فقد ارتبط اسمه لاحقًا بعمليات الخرطوم، ثم امتد طريقه ضمن «متحرك مسك الختام» إلى جبهات كردفان. وهكذا خرج الرجل الذي عرفه الناس في المدرعات إلى ساحات أخرى، وظلت تصاحبه الصورة نفسها: رجل اللحظات الصعبة. وفي 20 أغسطس 2025 انتهت حياة مهند إبراهيم فضل خلال القتال في كردفان، وووري الثرى في أم روابة

امتد طريق مهند من اعتكاف في مسجد في أواخر رمضان إلى سلاح المدرعات، ومن أذان خرج في واحدة من أصعب لحظات الحرب إلى «قدام بس» في ساعة الفقد، ثم من الخرطوم إلى سهول كردفان. لكنه، مثل كثير من الرجال الذين تخلدهم الذاكرة، لم يحتج إلى عشرات المشاهد حتى يبقى؛ فقد كان مشهد واحد كافيًا بالنسبة إليّ: الأذان.

في البداية احتجت إلى ليونيداس حتى أجد في التاريخ صورة أصف بها ما مثله مهند في ذاكرتي. لكنني كلما عدت إلى ذلك المشهد أدركت أن المقارنة لها حدودها. ليونيداس له ترموبيل التي حملت اسمه عبر القرون، أما نحن فلنا قصتنا، ولنا رجالنا، ولنا أماكن سيأتي يوم تُروى فيه حكاياتهم.

ولهذا، ربما لا يحتاج مهند في النهاية إلى أن نستعير له اسمًا من التاريخ. يكفيه اسمه. يكفي أن يقال مهند إبراهيم فضل، فيعود إلى الذاكرة ذلك الرجل الذي خرج من الاعتكاف إلى الميدان، والذي جاء صوته من قلب المدرعات في ساعة ظن كثيرون أنها النهاية، والذي قال لرفاقه في ساعة الفقد: «قدام بس».

أما أنا، فستبقى قصتي معه مرتبطة بذلك اليوم. كنت خارج السودان، وكانت المدرعات بعيدة عن عيني وقريبة من قلبي. كنت أخشى سقوطها وأبحث من بعيد عن خبر يطمئنني، فجاءني من داخلها شيء كان بالنسبة إليّ أبلغ من الخبر: مهند يقف ويؤذن. قلت يومها إن المدرعات، ما دام رجالها بهذه الروح، لن تسقط بسهولة.

ولم تسقط.

ومنذ ذلك اليوم، كلما ذُكرت المدرعات، لا أرى الحديد أولًا… أرى مهند. فالحديد يحمي الرجال في المعارك، لكن الرجال هم الذين يمنحون الحديد ذاكرته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى