علي فوزي يكتب… لماذا تدافعين عن إثيوبيا دائمًا يا رشا؟

قراءة نقدية في خطاب رشا عوض بين مخاوف الحرب وتجاهل تعقيدات الأمن القومي السوداني
بقلم: الصحفي المصري علي فوزي
في خضم التصعيد السياسي والإعلامي المتعلق بالتوترات السودانية الإثيوبية، خرجت الكاتبة رشا عوض بطرح يحمل اتهامات مباشرة لمصر، ويصور التحركات المصرية باعتبارها محاولة لدفع السودان إلى مواجهة عسكرية مع إثيوبيا، بهدف إيجاد مبرر للتمركز العسكري داخل الأراضي السودانية والتوسع الاقتصادي والجغرافي.
وبعيدًا عن حق أي كاتب في التعبير عن مخاوفه السياسية، فإن ما يستحق التوقف أمامه في هذا الطرح ليس مجرد انتقاده للموقف المصري، وإنما طبيعة المعايير التي يجري استخدامها في قراءة المشهد، والانتقائية الواضحة في توزيع المسؤوليات، والخلط بين التحذير من الحرب وبين التشكيك في دوافع كل تحرك مصري، مقابل خطاب يبدو أكثر تساهلًا مع الممارسات الإثيوبية.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تتحول إثيوبيا في خطابك يا رشا عوض إلى طرف ينبغي تفهم حساباته، بينما تتحول مصر بصورة شبه دائمة إلى متهم جاهز في كل تطور يتعلق بالسودان؟
أولًا: من حق السودان رفض الحرب، ولكن ليس من حق أحد مصادرة مخاوفه الأمنية
لا خلاف على أن السودان يعيش واحدة من أعقد مراحله التاريخية، وأن الأولوية الوطنية القصوى يجب أن تظل إنهاء الحرب الداخلية واستعادة مؤسسات الدولة والحفاظ على وحدة الأراضي السودانية.
لكن هل يعني ذلك أن يتجاهل السودان التهديدات الخارجية؟ وهل يصبح الحديث عن أمنه القومي أو حماية حدوده مقدمة بالضرورة لجره إلى حرب إقليمية؟
إن رفض الحرب لا يعني الاستسلام، والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية لا تعني التغاضي عن الاعتداءات، والحفاظ على العلاقات مع دول الجوار لا ينبغي أن يكون على حساب السيادة الوطنية.
إذا كانت هناك اتهامات بتحركات عسكرية أو استخدام أراضٍ خارجية لشن هجمات داخل السودان، فالمطلوب هو التحقيق الجاد، وتقديم الأدلة، وتحديد المسؤوليات، واللجوء إلى المؤسسات الإقليمية والدولية، وليس التعامل مع هذه المخاوف باعتبارها مجرد دعاية سياسية أو تحريض مصري.
فالسودان ليس مطالبًا بالاختيار بين الحرب والاستسلام، وإنما من حقه أن يمتلك سياسة دفاعية ودبلوماسية تحمي مصالحه وتمنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ثانيًا: لماذا تُدان مصر بالاتهامات بينما تحتاج إثيوبيا إلى الأدلة؟
تطرح رشا عوض اتهامات خطيرة بشأن استخدام قاعدة شرق العوينات المصرية في إطلاق مسيرات لضرب أهداف داخل السودان، كما تتحدث عن استهداف الطيران المصري لمعدنين سودانيين ومصانع سودانية.
هذه ليست اتهامات عادية يمكن تمريرها في مقال رأي باعتبارها حقائق محسومة، إنها مزاعم تتعلق باستخدام القوة العسكرية وانتهاك السيادة، وتحتاج إلى أدلة مستقلة وتحقيقات موثوقة وتحديد دقيق للوقائع والمسؤوليات.
وفي المقابل، عندما يتعلق الأمر بالتحركات الإثيوبية أو الاتهامات الموجهة إلى أديس أبابا بشأن نشاط عسكري يستهدف الأراضي السودانية، نجد أن الخطاب ينتقل سريعًا إلى الدعوة لاحتواء الأزمة وتجنب التصعيد.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: لماذا لا يُطبق معيار واحد على الجميع؟
إذا كان استخدام الأراضي المصرية لشن هجمات داخل السودان مرفوضًا، فإن استخدام الأراضي الإثيوبية للغرض نفسه مرفوض أيضًا؛ وإذا كانت السيادة السودانية خط أحمر في مواجهة القاهرة، فيجب أن تكون خط أحمر كذلك في مواجهة أديس أبابا.
السيادة الوطنية لا تتجزأ، ولا تتغير قيمتها بتغير هوية الدولة التي يُشتبه في انتهاكها لها.
ثالثًا: إثيوبيا ليست مجرد جار يبحث عن الاستقرار
من الغريب أن يجري تناول العلاقات السودانية الإثيوبية وكأنها علاقة جوار طبيعية خالية من الملفات الشائكة والتنافس التاريخي.
فالعلاقات بين البلدين تحكمها ملفات استراتيجية بالغة الحساسية، في مقدمتها قضية سد النهضة، والحدود المشتركة، ومنطقة الفشقة، والتداخلات الأمنية والعسكرية في القرن الإفريقي، فضلًا عن تأثيرات الحرب السودانية على حسابات القوى الإقليمية.
وليس من المنطقي تجاهل هذه الملفات عند تقييم السلوك الإثيوبي، أو تصوير أي تحذير سوداني من السياسات الإثيوبية باعتباره مجرد استجابة لتحريض خارجي.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المصالح الاستراتيجية للدول لا تُبنى على الشعارات، وأن إثيوبيا، مثل مصر وغيرها من دول الإقليم، تتحرك وفق حساباتها ومصالحها الوطنية.
ومن حق السودان أن يحافظ على علاقات متوازنة مع إثيوبيا، لكن ليس من حق أحد أن يطالبه بتجاهل الملفات التي تمس أمنه وحدوده ومصالحه الاستراتيجية.
رابعًا: اتفاقية الدفاع المشترك ليست دليلًا على الاحتلال
تذهب رشا عوض إلى أن مصر قد تستخدم اتفاقية الدفاع المشترك غطاءً للتوغل العسكري داخل السودان، وأنها لن تخوض حربًا دفاعًا عنه، وإنما ستستغل أي تقدم إثيوبي لتحقيق مكاسب جغرافية.
وهذا استنتاج سياسي بالغ الخطورة، لأنه لا يكتفي بانتقاد السياسات المصرية المحتملة، بل يفترض مسبقًا وجود مشروع توسعي مصري تجاه السودان، دون تقديم أدلة تثبت هذا الادعاء.
العلاقات العسكرية بين الدول تُقاس بنصوص الاتفاقيات، وطبيعة الالتزامات، وآليات التنفيذ، والظروف التي تستدعي تفعيلها، وليس بمجرد افتراض أسوأ السيناريوهات.
نعم، من حق السودانيين مناقشة أي اتفاقية عسكرية والتحفظ على بنودها، ومن حقهم المطالبة بالشفافية الكاملة بشأن أي وجود عسكري أجنبي على أراضيهم؛و لكن تحويل كل تعاون دفاعي إلى مشروع احتلال محتمل يحتاج إلى ما هو أكثر من المخاوف والافتراضات.
والأهم أن السودان، في ظل ظروفه الراهنة، يحتاج إلى بناء علاقات أمنية ودفاعية تحفظ استقلال قراره، لا إلى الانعزال عن محيطه أو تحويل كل علاقة استراتيجية إلى مؤامرة محتملة.
خامسًا: استدعاء ثورة 1924.. هل التاريخ دليل أم وسيلة لصناعة الخصومة؟
استدعاء رشا عوض لثورة 1924 في سياق اتهام مصر بالتخلي عن السودانيين ليس أمرًا يمكن تجاهله، فالثورة كانت محطة مهمة في تاريخ الحركة الوطنية السودانية، وشهدت مواقف معقدة من العلاقات المصرية البريطانية ومستقبل السودان السياسي.
لكن المشكلة تبدأ عندما يُختزل التاريخ في رواية واحدة، ثم تُستخدم تلك الرواية لإصدار أحكام نهائية على علاقة شعبين امتدت لعقود طويلة وشهدت مراحل متعددة من التعاون والاختلاف والتنافس.
إن قراءة ثورة 1924 تحتاج إلى وضعها في سياقها التاريخي، بما في ذلك طبيعة الحكم الثنائي، والصراع على مستقبل السودان، ومصالح القوى السياسية والعسكرية في القاهرة والخرطوم ولندن.
ولا يجوز تحويل مواقف حكومات سابقة إلى حكم أبدي على الشعب المصري أو على طبيعة العلاقات بين البلدين في الحاضر.
فالتاريخ ليس سجلًا للخصومات التي ينبغي توريثها، وإنما أداة لفهم المصالح والأخطاء وتجنب تكرارها.
وإذا كان من حق رشا عوض استدعاء التاريخ لمحاسبة مصر على مواقف سابقة، فمن حقنا أيضًا أن نسأل: هل تُقرأ المواقف الإثيوبية من السودان بالقدر نفسه من التدقيق التاريخي والسياسي؟ وهل تُستحضر ملفات الحدود والفشقة وسد النهضة والتدخلات الإقليمية بالوضوح نفسه؟
سادسًا: من المستفيد من تحويل الخلاف المصري السوداني إلى صراع دائم؟
إن أخطر ما يمكن أن يواجه السودان في هذه المرحلة ليس فقط استمرار الحرب الداخلية، وإنما تحوله إلى ساحة مفتوحة تتصارع فوقها المشاريع الإقليمية والدولية.
لكن مواجهة هذا الخطر لا تكون بزرع الشكوك بين الشعبين المصري والسوداني، ولا بتصوير مصر باعتبارها عدوًا تاريخيًا، ولا بتقديم إثيوبيا باعتبارها طرفًا يمكن الاطمئنان إلى نواياه دون مراجعة.
مصر لديها مصالح استراتيجية مباشرة في السودان، تتعلق بأمن الحدود، ومياه النيل، واستقرار الدولة السودانية، والتوازنات في منطقة القرن الإفريقي؛ وإثيوبيا لديها كذلك مصالحها وحساباتها الاستراتيجية في السودان والمنطقة.
ومن الطبيعي أن تتقاطع هذه المصالح أو تتعارض في بعض الملفات.
لكن الفارق بين السياسة والدعاية أن السياسة تقوم على تحليل المصالح والوقائع، بينما تقوم الدعاية على صناعة العدو وتثبيت صورة ذهنية مسبقة عنه.
ولذلك فإن المطلوب من النخب السودانية والمصرية هو المطالبة بعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل والشفافية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، لا تحويل الخلافات إلى معارك إعلامية تضع الشعبين في مواجهة بعضهما البعض.
سابعًا: السودان يحتاج إلى حلفاء، لكنه لا يحتاج إلى أوصياء
لا ينبغي أن يكون الدفاع عن العلاقات المصرية السودانية دفاعًا عن أي خطأ محتمل، كما لا ينبغي أن يكون انتقاد السياسات المصرية مدخلًا لتبرئة السياسات الإثيوبية.
مصر ليست فوق النقد، وإثيوبيا ليست فوق المساءلة، والسودان ليس ساحة مباحة لأي طرف إقليمي.
والأصل أن تكون مصلحة السودان هي معيار الحكم على مواقف جميع الدول، لا الانحياز المسبق إلى دولة أو العداء المسبق لدولة أخرى.
إن السودان يحتاج إلى علاقات متوازنة مع مصر وإثيوبيا ودول الجوار، وإلى مؤسسات وطنية قادرة على حماية حدوده، وإلى قرار سياسي مستقل لا يخضع لضغوط الخارج أو حسابات الأطراف المتصارعة داخليًا.
لكن الاستقلال الحقيقي لا يعني رفض التعاون مع مصر، مثلما لا يعني الدخول في مواجهة مع إثيوبيا، وإنما يعني أن تكون الخرطوم صاحبة القرار الأول والأخير في تحديد مصالحها وأولوياتها.
أخيرًا.. لماذا تدافعين عن إثيوبيا دائمًا يا رشا؟
السؤال ليس اتهامًا لحقك في انتقاد مصر، ولا محاولة لمنعك من التعبير عن مخاوفك بشأن مستقبل السودان، وإنما هو سؤال عن اتساق المعايير، وعن توقيت الخطاب السياسي ودلالاته.
وهنا تبرز ملاحظة تستحق التوقف أمامها؛ إذ يلاحظ المتابع لخطابات رشا عوض أن بعض مواقفها وتصريحاتها التي تهاجم الدور المصري وتشكك في النوايا المصرية تخرج بالتزامن مع محطات سياسية وعسكرية مهمة، سواء قبل أو بعد انعقاد قمة مصرية سودانية، أو عقب الإعلان عن تفاهمات وتقارب بين القاهرة والخرطوم، وكذلك في أعقاب إعلان الجيش السوداني تحقيق تقدم أو نجاح ميداني في بعض المعارك.
وهذا التزامن، حتى وإن لم يكن دليلًا على وجود ارتباط مباشر بين الأحداث والخطابات، يطرح تساؤلات مشروعة حول الرسائل السياسية التي تحملها هذه التصريحات، والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها، ولماذا يتجه الخطاب في مثل هذه اللحظات إلى التشكيك في الدور المصري وإثارة المخاوف من العلاقات بين البلدين؟
فهل أصبح التقارب المصري السوداني مصدر قلق لدى بعض الأصوات السياسية؟ ولماذا لا تحظى الانتصارات العسكرية للجيش السوداني بالقدر نفسه من الاهتمام الذي تحظى به التحذيرات من الدور المصري؟
إذا كنتِ ترفضين التدخل المصري في الشأن السوداني، فمن الطبيعي أن ترفضي التدخل الإثيوبي بالقدر نفسه.
وإذا كنتِ ترفضين استخدام الأراضي السودانية في صراعات الآخرين، فمن الطبيعي أن تديني أي تحرك عسكري خارجي يستهدف السودان، أيًا كانت الجهة التي تقف وراءه.
وإذا كنتِ تخشين أن تتحول اتفاقية الدفاع المشترك إلى وسيلة للتوسع العسكري، فمن حق الرأي العام أن يناقش ذلك، لكن ليس من العدل تحويل الاحتمالات إلى حقائق، والاتهامات إلى أحكام نهائية.
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الكاتب السياسي هو أن يبدأ من نتيجة جاهزة، ثم يبحث عن الوقائع التي تؤكدها، ويتجاهل كل ما يناقضها.
السودان لا يحتاج إلى خطاب يزرع العداء مع مصر، ولا إلى خطاب يمنح إثيوبيا صك براءة مسبقًا، ولا إلى أصوات تدفعه إلى حرب لا يستطيع تحمل تكلفتها.
السودان يحتاج إلى دولة قوية، وجيش وطني، ومؤسسات مستقرة، وسياسة خارجية متوازنة، وعلاقات تقوم على المصالح والاحترام المتبادل.
لسنا مطالبين بالانحياز إلى مصر ضد إثيوبيا، ولا إلى إثيوبيا ضد مصر، لكننا مطالبون بالانحياز إلى السودان أولًا.
والسؤال الذي يظل مطروحًا: لماذا يتصاعد خطاب التشكيك في مصر كلما اقتربت القاهرة والخرطوم من تفاهم جديد، أو حقق الجيش السوداني تقدمًا في الميدان؟ ولماذا يبدو أن انتقاد مصر أصبح أولوية لدى بعض الأصوات، بينما تحتاج إثيوبيا إلى قدر أكبر من المساءلة؟
هذه هي القضية التي ينبغي ألا تغيب عن أي قراءة جادة للمشهد السوداني.


