

جوهر الرؤية الإسلامية للكون والحياة

د.محمد عبدالله كوكو
لقد امرنا الله سبحانه وتعالى بالنظر في ملكوت السموات والارض وإطلاق العنان للعقل للبحث والتقصي في مجال العلوم التطبيقية …..أما التشريع التشريع فهو حق خالص لله ورسوله
وهذا الفصل والربط البديع يمثل جوهر الرؤية الإسلامية للكون والحياة. القرآن الكريم فرّق بشكل واضح بين “العلم بالكون” (العلوم التطبيقية) الذي تركه لعقل الإنسان وتفدبره، وبين “التشريع والتحليل والتحريم” الذي هو حق خالص لله ورسوله.
ويمكن تفصيل هذه الرؤية المتوازنة في نقطتين رئيسيتين:
1. العلوم التطبيقية: أمر بالنظر وإطلاق للعنان
عندما يتعلق الأمر بملكوت السماوات والأرض، لم يضع القرآن قيوداً جامدة، بل فتح الباب على مصراعيه وأمرنا أمراً بالنظر والتفكر والبحث.
دعوة للتفكر: في آيات كثيرة مثل: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، و*(قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)*. هذا النظر ليس تعبداً بالقلب فقط، بل هو أساس العلوم التطبيقية من فلك، وجيولوجيا، وفيزياء، وطب.
حرية التجربة البشرية: في الأمور الدنيوية والتطبيقية، ترك الشرع للإنسان مساحة الإبداع والتجريب، كما قال النبي ﷺ في حادثة تأبير النخل: “أنتم أعلم بأمر دنياكم” (رواه مسلم). فالبحث العلمي وتطوير التكنولوجيا متروك لذكاء البشر وتراكم خبراتهم.
2. التشريع: حق خالص لله ورسوله
أما في تنظيم حياة البشر، وتحديد الحلال والحرام، ورسم حدود الأخلاق والمعاملات، فإن الأمر يختلف تماماً. هنا يجب أن يخضع الإنسان لشرع الله لأن العقل البشري، رغم عبقريته في العلوم التطبيقية، يظل قاصراً ومنحازاً للهوى عندما يشرّع لنفسه.
الحاكمية والتشريع: القرآن حاسم في أن التشريع حق إلهي: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)، و*(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)*.
خطورة التشريع البشري في الدين: وضع القوانين الوضعية التي تحل الحرام أو تحرم الحلال يُعد تعدياً على مقام الربوبية، كما قال تعالى ذاماً أقواماً بمحاولة التشريع من دون الله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ).
الخلاصة
المعادلة الإسلامية واضحة ودقيقة للغاية:
في المعمل والمختبر وفضاء الكون: انطلق، ابحث، اخترع، واكتشف؛ فكلما اكتشفت إعجازاً، زاد إيمانك بـ (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا).
في المحكمة والبيت وسلوك المجتمع: قِف عند حدود الله، واستمع لقوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ).
وما أكثر الآيات في هذا المعنى والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل
