الأخبارالأخبار السياسية
تريند

عبد الله علي إبراهيم “يتغزّل” في جامعة أفريقيا العالمية

سوداني نت:

كتب الدكتور عبد الله علي ابراهيم مقالة تحت عنوان “جامعة أفريقيا العالمية: سفارة”

وقال:

لا اعرف ملابسات تعطيل اجتماع مجلس أمناء جامعة أفريقيا العالمية. وودت لو انعقد مع ذلك. فهو مما ستظل حاجة الجامعة، برسالتها في تعليم أولاد المسلمين وبناتهم في أفريقيا بالذات، له ماسة. ووددت لو اجتمعت بهم سلطات التعليم العالي لتجديد العهد معهم لمواصلة عنايتهم بالجامعة. وكنا خسرنا هذه العناية بالجامعة على أيام كانت المركز الإسلامي الأفريقي من جراء شغب الإنقاذ وشططها مع الدول الإسلامية التي وقفت معها أول مرة. ولا أذكر متى عادوا للعناية بالمركز الذي صار جامعة وطيدة الجناب.

وددت لو ميزنا بغير هوادة بين جامعة أفريقيا وبين الإسلاميين ونظامهم الذي نشأت، أو ترعرعت، في أوساطهم. فالدعوة القائمة ل”بلها” خطأ بين. فليس ما ذاع عنها من قبض أموال حرام من المخلوع أو سياسات التعيين فيها مما يستوجب البل. وسعدت لما اكتفت لجنة تفكيك نظام الإنقاذ بقرار بمراجعة موازناتها منذ 1989. وربما صادمت هذه المراجعة حصانات للجامعة لوضعيتها الدبلوماسية وددت لو تنزلت الجامعة عندها للظرف العصيب الذي يقلب فيه بلد المنشأ، السودان، أوراقه كلها بعد ثلاثين عاماً اختلط الحابل فيها بالنابل. ونزولاً من الجامعة أيضاً عند الاعتراف بأنها ظلت خلواً من نهج في العلاقات العامة تزكي نفسها لأهل الرأي في غير الحكومة يشفع لها في يوم كهذا. فظلت هي وطلابها ومجلس أمنائها في عين غير الإسلاميين حالة “إسلاموية” ذاع عنها حتى ممارسة طلابها للدجل والطيلسان. أما عن غربتها في محيطها فحدث. فسارت نكتة محكية عن طالب منها تحدث بالعربية الفصحى مع كمساري بص فكبّر الكمساري من هول فصاحة لا يسمعها إلا في الوعظ والخطب الحماسية قائلا: الله أكبر ولله الحمد.

أتيح لي دون زملائي ممن يوصفون بأهل التعليم الحديث أن أتصل بالجامعة منذ عقد خلا. فجئتها على مقاعد الدرس أطلب علماً في الشريعة لأُحسن تدريس مقرر “الإسلام والغرب” لطلابي بجامعة ميسوري بأمريكا. وأحسن الدكتور حسن مكي وفادتي. ودرست علم الحديث والفقه على يد أستاذين من الصومال وتونس. وعجبت لتنوع هيئة التدريس الذي هو من شروط إحسان التعليم الجامعي. وقدمت في منابر الجامعة أوراقاً في مؤتمرات انعقدت عن مرور 15 قرن على قدوم الإسلام لأفريقيا، وعن السيرة النبوية، ونظم الدراسات فوق الجامعية. ثم تعينت فيها استاذاً للتاريخ وقضيت في رحابها عام 2016. واضطرني ظرف عائلي أن أنهي تعاقدي معها. وتبقي لي موقفان من الذكريات فيها. أذكر يوم دعاني زملائي من الطلاب الإيرانيين في فصل علم الحديث إلى فطور رمضان. وفاض المجلس بولائهم لبلد نبيل يوفر لهم العلم ويغدق محسنوه عليهم فضل زادهم. أما الروتين الذي سيبقي معي منها فهو تنصتي خلال سيري في ردهاتها ل”عجمة” أفريقيا المحببة. كل لسان فيها طلق. وكلهم سيقولون عنا يوماً في بلادهم قولاً حسنا بذات “العجمة” الغراء.

جامعة أفريقيا العالمية بنت برنامج قديم مشاهد من الإسلاميين لبناء جسور لأفريقيا. وعدت قبل سنوات أقلب صحيفتهم “الميثاق الإسلامي” (1965) وفوجئت بالمساحة المخصصة لأفريقيا، المسلمة خاصة، فيها بما لا تجده في صحف أخرى قد تزعم رابطة أوثق بأفريقيا وأحفى. لم يخترع الإسلاميون هذه الرابطة مع أفريقيا المسلمة بالطبع. فجذرها قديم في وفود طلاب من أفريقيا أباً عن جد لتلقي القرآن وعلومه في خلاوي معلومة. ورأيت هذا الرعيل الأفريقي من طلاب العلم الديني في خلاوي الشيخ الفادني بشمال الجزيرة في زيارة صحبة حبيبنا المرحوم الطيب محمد الطيب وضيافة البروف على شمو. وما قام المعهد العلمي بأم درمان في 1910 حتى صار محجة لجيل آخر من طلاب العلم الديني من أفريقيا. وعليه فجامعة أفريقيا، في تحولها من مركز إسلامي إلى جامعة مستديرة تامة، هي حلقة أعلى في تقليد أفريقي من طلب العلم في رحاب بلدنا.

قد يذكر إسلاميون كثيرون قولي لهم: “لو فعلتم عملاً صالحاً فرداً في السودان لكان جامعة أفريقيا العالمية”. وهي سفارة لسودان في معنى قول المرحوم عبد الله رجب عن صحيفته “الصراحة” في الخمسينات: “الصحافة سفارة”. فكل خريج منها سفير للسودان حيث حل يلهج بذكره وبذكر شعبه فتقبل الجامعة 50 في المائة طلاباً أفارقة، و25 في المائة طالباً مسلماً من جهات العالم المختلفة. والبقية للسودان. ودرّست فيها صينين وفلينيين وبلاد تركب الأفيال. وبتحولها إلى جامعة وفرت التعليم “الحديث” لأولاد وبنات المسلمين في بلاد فاتهم فيها قطار التعليم لتمكن الحياة المرتحلة منهم وفاتهم غيرهم بالقطار المار.

وسيكون هؤلاء الطلاب طاقة استراتيجية مسلمة ذكية في المنظمات الدولية والإقليمية والأفريقية. فلو حرصنا على توثيق ما بينهم كرسل مستقبل جمعاً بين العلم في تخصصهم والعلم الحسن بمحنة الإسلام في العالم ومحنة العالم نفسه لوضعوا رؤوسهم حيث التقوا في تلك المجامع ونفعوا زملاء بنعمة الله أخوانا. وربما كان مثل هذا الطموح لبناء هذه الطاقة الاستراتيجية من وراء قيام جامعة الصداقة مع أفريقيا (لوممبا) في موسكو في عهدها السوفياتي.

اسأل الله أن نجتاز مفرق الدروب هذا حول جامعة أفريقيا بفطانة لتسلم هذه الجامعة التي كانت فينا أبداً بصورة أو أخرى. وسيستدعي الأمر شغلاً مراً بين التعليم العالي وإدارة جامعة أفريقيا يهون به كل شيء إلا طعن الجامعة في مقتل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!