مقالات
أخر الأخبار

عادل عسوم يكتب: قراءة على هامش عملية لاس فيجاس (الإرهابية)

سوداني نت:

كتبت هذا المقال في 2 أكتوبر 2017، وأعيد نشره اليوم بين يدي مقتل جورج فلويد في مدينة مينابوليس الأمريكية.

هذا هو المقال:

يلوح لي دوما كتاب الراحل سيد قطب رحمه الله (أمريكا التي رأيت) كلما عرضت القنوات الفضائية خبرا سالبا عن أمريكا، واليوم إذا بي بالخبر المفجع بمقتل 58 نفس بشرية وجرح أكثر من 400 جاء بهم أجلهم إلى مهرجان موسيقى، ويعلن عن القاتل بأنه (موسيقى) أمريكي متقاعد إسمه ستيفين في ال64 من عمره، وقد انتحر بعد ارتكاب جريمته.

لقد كتب سيد قطب في كتابه  بأن المجتمع الأمريكي الذي رآه في عام 1950 مجتمع لم ينصهر بعد في بوتقة الدولة برغم مئات السنوات التي مرت على (ديمقراطيته)! ، وتوقع لأمريكا أن تتفكك وتنهيار يوما من داخلها! .

لقد عرض الراحل صورة حية لهذا المجتمع، وأبان بأنه على الرغم من كل الانجازات في المجال المادي و ما يعرض كل يوم من معدات ومنتجات؛ إلا ان الامريكان ما زالوا يرسفون في أغلال البدائية (مشاعرا وعاطفة وأنسنة)!.

إذ برغم الذي تقدمه أمريكا للعالم كل يوم في عوالم التطور المادي إلا انها لم ولا تساهم بشئ يوازي ذلك في المنحى الإنساني و الروحي، وقد استدل ببعض الوقائع التي حدثت سواء التي عاشها هناك أو الوقائع التاريخية التي تدحض بجلاء مقولة أن الشعب الأمريكي شعب محب للسلام وهو (المهووس) بالألعاب الدموية والمصارعة، وإذا بالمآل اليوم رئيس للدولة كان صاحب حلبات للمصارعة!

سيد قطب رحمه الله تحدث كذلك عن (بدائية) في الفنون، وكذلك في (ثقافة) الطعام، وفي أشكال اللباس، بل كل مايكتنف حياة الناس هناك!.

الجميل في هذا الكتاب أن سيد قطب رحمه الله قد سعى إلى تلمس كل ذلك بنفسه من خلال ذهابه الى الأندية ودور الأوبرا وكذلك أحاديثه التي وثقها مع بعض الشباب الأمريكي مما يضيف حياداً وموضوعية في تقييمه، وللعلم لم يكن الرجل قد انضم حينها لجماعة الإخوان المسلمين.

لكن الذي لم يقله سيد قطب رحمه الله والذي أراه سببا لكل هذا ال(تدحرج) عن الإيمان بالقيم، والارتكاس عن جماليات الأنسنة، إضافة إلى انتفاء الارتقاء بالذائقة لدى الأفراد والمجتمع بحاله؛ لهو الإرتهان إلى القوانين التي تسن في هيئات الولايات الأمريكية الخمسين التشريعية، فهي قوانين مبنية ومؤسسة على رؤى الناس وهوى الأنفس، يقينا منهم بأن الحاكمية للشعب كما ينص الدستور الأمريكي، وبالتالي لا يكلف المشرعون أنفسهم جهد القراءة في اطروحات الأديان السماوية فيما يخص القضايا التي تمس أمن المجتمع البشري من لدن أبينا آدم عليه السلام إلى آخر دين سماوي وهو الإسلام.

قد يقول قائل بأن الدستور الأمريكي ينص على (مدنية) الدولة، نعم ذاك أمر يمكن القبول به استصحابا للصراع الذي حدث في أوربا خلال القرنين الماضيين والذي أفضي إلى مآل سالب وقسمة ضيزى جعلت من ثلثي الأمر لقيصر وثلث واحد للرب!

لكن هناك (جوامع) لاتكاد تختلف عليها أديان الملة الإبراهيمية، قدر الله بأن (يتوه) كل من ينأى بنفسه عنها كما حدث ل(إيليا ابي ماضي) الذي بث البحر (طلاسمه) حين قال:

جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت

ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري!

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود

هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود

هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود

أتمنّى أنّني أدري ولكن…

لست أدري!

وطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟

هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور

أأنا السّائر في الدّرب أم الدّرب يسير

أم كلاّنا واقف والدّهر يجري؟

لست أدري!

ليت شعري وأنا في عالم الغيب الأمين

أتراني كنت أدري أنّني فيه دفين

وبأنّي سوف أبدو وبأنّي سأكون

أم تراني كنت لا أدرك شيئا؟

لست أدري!

أتراني قبلما أصبحت إنسانا سويّا

أتراني كنت محوا أم تراني كنت شيّا

ألهذا اللّغز حلّ أم سيبقى أبديّا

لست أدري… ولماذا لست أدري؟

لست أدري!

البحر:

قد سألت البحر يوما هل أنا يا بحر منكا؟

هل صحيح ما رواه بعضهم عني وعنكا؟

أم ترى ما زعموا زوار وبهتانا وإفكا؟

ضحكت أمواجه مني وقالت:

لست أدري!

أيّها البحر، أتدري كم مضت ألف عليكا

وهل الشّاطىء يدري أنّه جاث لديكا

وهل الأنهار تدري أنّها منك إليكا

ما الذّي الأمواج قالت حين ثارت؟

لست أدري!

قد يعذر المرء إيليا على توجهه ذاك لكونه قد كتب طلاسمه تلك خلال سنيه التي أبق خلالها عن دينه واصبح ملحدا لايؤمن بخالق للكون ولا منتهى لحساب، لكن مابالنا نحن وبين ايدينا أديان سماوية تتفق جميعها بلا خلاف على:

حرمة قتل النفس، وحرمة التفاضل العرقي،

وحرمة شرب الخمر وتعاطي المخدرات،

وحرمة النأي عن القيم التي تتسق مع العرف الفطري الإنساني السليم؟!

فقاتل لاس فيجاس اليوم لم يكن سوى سكير ومتعاطي للمخدرات، ثم (مستفيد) من قانون أمريكي خاطئ ينص على (حرية) استخدام السلاح لكل فرد أمريكي بالغ!

لماذا لايعتبر مشرعوا أمريكا في جل ولاياتها – إن لم تكن كلها- بالجرائم العديدة التي كان سببها الأساس (حرية) التسلح لكل أمريكي؟!

اقرأوا معي هذا الحصر لها:

* 32 قتيلا في إطلاق نار داخل جامعة فرجينيا للتكنولوجيا في بلاكسبرج بولاية فرجينيا والذي وقع في 16 أبريل/ نيسان عام 2007 ونفذه سيونغ هوي تشو وهو طالب في الجامعة كان يبلغ من العمر 23 عاما، أطلق النار في موقعين داخل الحرم الجامعي مما أسفر عن مقتل 32 شخصا وإصابة عدد غير محدد من الأشخاص قبل أن ينتحر.

* 27 قتيلا في هجوم إطلاق نار على  مدرسة “ساندي هوك” الابتدائية بولاية كونيتيكت في 14 ديسمبر/ كانون الأول عام 2012 ونفذه آدم لانزا الذي كان يبلغ من العمر 20 عاما أطلق النار على 20 طفلا تتراوح أعمارهم بين الست والسبع سنين و6 بالغين منهم موظفين في المدرسة وأعضاء في هيئة التدريس قبل أن يوجه السلاح إلى نفسه، وفي وقت لاحق أثناء التحقيق عثرت الشرطة على نانسي لانزا والدة آدم مقتولة إثر طلقة نارية وكان العد النهائي لضحاياه هو 28 قتيلا ضمنهم مطلق النار آدم.

* 23 قتيلا في هجوم إطلاق نار على  كافيتيريا “لوبيز” في ولاية تكساس في 16 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1991 نفذه جورج هينارد الذي كان يبلغ من العمر 35 عاما الذي حطم شاحنته الصغيرة علي جدار الكافتيريا ثم خرج منها وأطلق النار على الموجودين مما أسفر عن مقتل 23 شخصا ثم انتحر.

* 21 قتيلا في إطلاق نار على مطعم “ماكدونالدز” في منطقة سان يسيدرو بولاية كاليفورنيا في 18 من يوليو/ تموز عام 1984 نفذه جيمس هوبرتي الذي كان يبلغ من العمر 41 عاما وقد كان مسلحا بمسدس رشاش من طراز “أوزي” وبندقية ومسدس آخر حيث قتل 21 شخصا من البالغين والأطفال الموجودين في المطعم قبل أن يقتله قناص من الشرطة بعد ساعة واحدة من بداية الهجوم.

* 18 قتيلا في هجوم إطلاق نار في  منطقة أوستن بولاية تكساس نفذه تشارلز جوزيف ويتمان أحد جنود مشاة البحرية الأمريكية السابقين حيث أسقط 16 قتيلا وأصاب 30 آخرين على الأقل مطلقا النار من برج جامعة تكساس وقتل ضباطا في الشرطة هم راميرو مارتينيز وهيوستن مكوي كانوا في البرج وكان ويتمان قد قتل والدته وزوجته في وقت سابق من ذات اليوم.

* 14 قتيلا في هجوم إطلاق نار في مركز إنلاند الإقليمي لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في سان برناردينو بولاية كاليفورنيا في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول عام 2015، ونفذه سيد رضوان فاروق الأمريكي البالغ من العمر 28 عاما والذي عمل كمتخصص بيئي لمقاطعة سان برناردينو لمدة خمس سنوات برفقة زوجته تاشفين مالك البالغة من العمر 27 عاما ما أسفر عن مصرع 14 شخصا وإصابة 17 آخرين.

* 14 قتيلا في هجوم إطلاق نار في  مكتب خدمة البريد في منطقة إدموند بولاية أوكلاهوما في 20 أغسطس/ آب عام 1986 نفذه باتريك هنري شيريل الذي كان يعمل ساعيا للبريد بدوام جزئي وقد كان مسلحا بثلاثة مسدسات فقتل 14 من عمال البريد خلال عشر دقائق ثم انتحر بطلقة في الرأس.

* 13 قتيلا في هجوم إطلاق نار في  قاعدة “فورت هود” العسكرية بولاية تكساس في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2009 ونفذه نضال مالك حسن وهو رائد في الجيش الأمريكي مما أسفر عن 13 قتيلا و32 جريحا ثم قبضت السلطات عليه وأدانته وحكمت عليه بالإعدام.

* 13 قتيلا في هجوم إطلاق نار في مركز اجتماعي للمهاجرين في منطقة بينغهامتون بولاية نيويورك في الثالث من أبريل/ نيسان عام 2009 نفذه جيفرلي ونغ ما أدى إلى مقتل 13 شخصا وإصابة أربعة آخرين قبل أن يقتل نفسه.

ياترى كل هؤلاء من يتحمل ذنب موتهم؟

اليسوا مشرعوا الولايات الأمريكية الذين جعلوا من مسمى (الحرية) غاربا يلقون عليه حبل هوى النفس ورغائب الناس الآنية توافقا مع تشريعات لاتلقي بالا لما جاءت به الأديان السماوية الثلاث والتي يؤمن بها الغالب الأعم من الشعب الأمريكي؟!

بالله عليكم اي (حرية) هذه التي تصل بمجلس تشريعي أن يناقش بل ويجيز زواج انسانة بكلبها؟!

والله إني لاقرا قول الله هذا ولا اخاله الا قد ورد في حال المجتمعات التي حسبت أنها قد وصلت إلى كمال بشري يرونه فأصبحت تشرع كيفما حكم العقل البشري والهوى دون أن يتبينوا بأن الشيطان قد قال منذ الأزل ساقعدن لهم صراطك المستقيم!

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) سورة فصلت53.

ف هاهو العالم يتبين كل يوم أمرا قد تسببت فيه التشريعات البشرية فإذا بالمآل كل يوم جرائم تقض مضاجع المجتمعات والشعوب وتحيل أمنهم خوفا وهلعا.

لكنهم سيتبينون يوما بعد يوم تمام انحرافهم عن المسار القيمي فلا يلبثوا إلا العودة ولكن بعد أن يكونوا قد خسروا الكثير، ولو أنهم انتبهوا إلى الذي بينه ربنا في ادياننا الإبراهيمية لنأوا بأنفسهم عن الكثير من الضرر.

ولعلي أطلقها صرخة لعلها تصل إلى مسامع عضو لمجلس تشريعي في إحدى الولايات الامريكية:

ياهداك الله، اجعلوا لله نصيبا فن تشريعاتكم فهو جل في علاه الخالق للبشر والاعلم بما يصلح حال ومسار الشعوب والحضارات.

[email protected]

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق