العين الثالثةمقالات
أخر الأخبار

(إضراب الأطباء)..!

ضياء الدين بلال

سوداني نت

-1-

تلقَّيت عدداً مُقدَّراً من الردود على مقال سابق عن إضراب الأطباء عن العلاج بالمستشفيات الحكومية.

بعض الردود كانت علمية وموضوعية، يُؤخذ منها ويُرد، لم تذهب لا اتهام النوايا السياسية،مثال لذلك ما كتبه الدكتوران أمجد فريد ومحمد عبد الرحيم.

ملاحظة تصحيحية: مقال الدكتور محمد عبد الرحيم، أورد مقارنات رقميَّة من نصوص الميزانية الاتحادية، استند عليها بروف عبد الله علي إبراهيم، بغرض المقارنة بين ما تناله الصحة من مال، وما تحظى به جهاتٌ سياسيَّةٌ عُليا، للعلم ميزانيات الصحة 90% منها ولائي!

بعض الردود جاءت عابرة للحدود، بمنطق كسيح وأرجل كاذبة وانفعالات عصابية مُتشنِّجة، لا تبني فكرة ولا تُقيم منطقاً، بيد أنها تُعرِّي عوراتالدواخل.

ردودٌ تتجاوز المكتوب لتطعن في نوايا الكاتب، وفي ذلك تعبيرٌ عن حال كاتبيها ورغبتهم في مُمالقة المُضربين وخلق بطولات ثلجية سريعة الذوبان.

أمس في صفحته على (فيسبوك) كتب (أستاذي) من على البعد – باعترافي دون إكراه أو جبر – دكتور عبد الله علي إبراهيم، تعقيباً رصيناً على مقالي السابق.

ربما هي مناسبة مُواتية لنقاش هادئ وموضوعي، بعيداً عن الهياج السياسي ودافوري (تسقط بس وتقعد بس)!

-2-

لا يُنكر إلا مُكابرٌ أن الأطباء يعملون في ظروف بالغة السوء، ويتقاضون مبالغ مالية زهيدة، دون حدِّ الكرامة.

وفي أكثر من مرَّة كتبنا عن ذلك، واليوم في العاشرة صباحاً سنمثل أمام محكمة الصحافة في بلاغ مفتوح ضدِّي من قبل وزارة الصحة، مُتعلِّق بنقد بيئة المستشفيات.

كما أن أخي الأصغر طبيب، كنت أُتابع معاناته في كُلِّ مراحل عمله داخل السودان، قبل اغترابه واحتمائه من هجير المهنة بظلال الريال الوريف .

وسبق أن كتبتُ عدداً من المقالات في مُناصرة الأطباء، وتلقَّيت إشادات من بعضهم، وهذا يؤكد احترامي وتقديري لدورهم، دون بخس أو إهمال لأوجاعهم المهنية.

-3-

أعلنتُ في ذلك المقال موقفاً بسيطاً ومُباشراً، يرفض إضراب الأطباء عن علاج المرضى في كُلِّ مكان بالعالم، مهما كانت الدواعي والأسباب.

قلتُ فيه بصريح العبارة: (من حقِّ الطبيب أن تكون له مواقف ومطالب سياسية يُعبِّر عنها بما يشاء من طرائق التعبير، ولكن يجب ألا يتم التعبير عنها بما يمسُّ صحة المريض وتلبية حاجته للعلاج).

موقفي واضح وغير قابل للتغبيش أو التحوير، وسأظل ضد إضراب أي طبيب في العالم عن تقديم خدمة العلاج لمريض، ولو كانت حبة بندول!
جميع من في النادي السياسي العريض، من حاكمين ومعارضين، ينهلون من ذات المعين العكر، ويستخدمون ذات الأدوات غير المُعقَّمة التي تجعل من (المواطن) وسيلة ضغط، لا غاية مُقدَّسة، يتقرَّب إليها بصالح الأعمال لترضى.

غداً بعد أن (تسقط بس) وينتقل الإسلاميون إلى مقاعد المُعارضة، سيُمارسون ذات الأساليب التي تفتقد للحس الإنساني والأخلاقي، لأنهم يحملون ذات الجينات السياسية التي تحملها المعارضة الحالية ، والعلل المُلازمة لها.

-4-

كنتُ سأقف طويلاً لو أن إضراب الأطباء، كان مُلحقاً بإجراءات مُصاحبة ذكية، تُخفِّف على أهل الحاجة من المرضى الذين لا يمتلكون المقابل المالي للاستشفاء في العيادات والمُستشفيات الخاصة.

أتَّفق مع بروف عبد الله ومع غيره، أن السبب الأساسي لتردِّي البيئة الصحية مرتبط يوضع الصحة في قائمة اهتمام الحكومة وترك الوزارة الخدمية الأولى للترضيات العبثية.

-5-

هناك تناقضٌ مُريعٌ في موقف المُضربين عن علاج المرضى: كيف لحكومة مُتَّهمة – من قِبَلهم – باللامبالاة وضعف الإحساس وقتل الأبرياء بدمٍ بارد، أن يكون سلاح الامتناع عن العلاج سبباً في جرح خاطرها الإنساني، فيكون خيارها مغادرة السلطة، حال نجاح الإضراب ولو بنسبة 100%؟!

هذا التصور مبنيٌّ من قبلهم، على حسن ظن وافر بالحكومة محتواه: أن إحساس الحكومة بأوجاع وآلام المرضى في حال تنفيذ الإضراب، سيجعلها تشعر بالذنب، فتتنازل عن السلطة رأفة بالمرضى!

لو كانت الحكومة بهذا المستوى من رهافة الحس السياسي، لما بلغ سوء ظنهم بها إلى الحد الأبلسة!

إذن ما بين لامبالاة الحكومة وإضراب الأطباء، سيجد المواطن المريض البسيط رقيق الحال نفسه بين مطرقة الحكومة وسندان مُعارضيها، كُلُّ طرف يضغط على عظمه الهش و يُحمِّل الآخر جريرة ما يحدث للمريض!

-6-

اسمح لي أستاذي بروف عبد الله أن أُكرِّر مرَّة أخرى:

قناعتي، أن جرثومة هذا الإضراب غير الإنساني وغير الأخلاقي، تسرَّبت إلى الأطباء من حاضنة النادي السياسي العريض، الحاكم والمعارض.

فهو نادٍ عقيم، يُعاني شحاً أخلاقياً مُريعاً وجفافاً في المشاعر الإنسانية، مع ذرائعية تُبرِّرُ له كُلَّ ما يفعل من منكرات سياسية، طالما أنه يسعى لغاية يراها نبيلة!
-أخيراً-

على الأطباء أن يطالبوا بكُلِّ حقوقهم المشروعة عبر التظاهر والاحتجاج السلمي، وحتى بالإضراب عن الطعام، ولكن عليهم أن يجعلوا من صحة المريض خطَّاً أحمر ومساحة مُقدَّسة محفوظة ومرعية، بواجب الدين وحق الإنسانية وقسم المهنة، حتى ولو كانوا تحت حكم نيرون!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق