مقالات
تريند

فريق شرطة حقوقي عمر مختار ح.النور .. يكتب :”أنا سوداني”: ترنيمة الفخر الوطني وإشكالات الهوية المتجاذبة .. قراءة وتصحيح

فريق شرطة حقوقي عمر مختار ح.النور .. يكتب :”أنا سوداني”: ترنيمة الفخر الوطني وإشكالات الهوية المتجاذبة .. قراءة وتصحيح

(يقول محدثي)

تتبوأ أنشودة “أنا سوداني” ذائعة الصيت مكانة خاصة في وجدان الشعب السوداني، راسخةً في الذاكرة الجمعية كأيقونة وطنية، بل تكاد تضاهي النشيد الوطني الرسمي في قلوب الكثيرين حيث تتناغم كلماتها وألحانها في مختلف المناسبات، حاملةً أسمى معاني الفخر والإنتماء الذي تتوشّح به أغلب أعمالنا الإبداعية والنصوص الشعرية التي صاغت الوجدان وشكلت الوعي الوطني.

(ويضيف محدثي):

بيد أن هذه الأنشودة الشهيرة تنطوي على إيحاءات ودلالات تستدعي تدقيق النظر وأعمال البصيرة بعقل وقلب مفتوحين، لا سيما في هذه الظروف الدقيقة التي يعيشها السودان الراهن، حيث تتداخل عناصر الهوية الوطنية وثوابتها في حلبة من التجاذبات المتسعة نطاقًا والمؤلمة وقعًا.

(يستطرد محدثي):

قد يكشف التأمل النقدي لبعض مقاطع هذه الأغنية الوطنية عن إشارات ضمنية تنطوي على ضرب من الإستعلاء العرقي أو التباهي بأصول محددة على نحو قد يُشف عن إجحاف بحق مكونات أخرى تلعب دوراً فاعلاً وأساسي في تشكيل النسيج الإجتماعي السوداني.

ومن تلك المقاطع، الأبيات التي تمجّد الأصل العربي:

دوحة العرب أصلها كرم

وإلى العرب تنسب الفطن

هنا، لم يقتصر الأمر على إضفاء سمات “الكرم والفطنة” على “دوحة العرب”، بل تعدّى ذلك وجعلهما وقفاً عليهم (العرب)، مما قد يُفهم معه ضمنًا إنكار تلك الصفات عن مكونات أخرى أصيلة في أرض السودان.

(يواصل محدثي):

الأكثر إثارة للتأمل هو إقتران هذا التفاخر بإقرار صريح وإلتصاقه بفئة “نازحة” عند نسبة تلك الصفات إليهم، كما يتضح في الأبيات:

حكموا العدل في الورى زمنا

أترى هل يعود ذا الزمن

ردد الدهر حسن سيرتهم

ما بها حطة ولا درن

نزحوا لا ليظلموا أحدا

لا ولا لاضطهاد من أمنوا

تصف هذه الأبيات الأجداد العرب كـ “حكام” إتسموا بالعدل والسيرة الحسنة، ثم تؤكد على أنهم “نزحوا”، أي أنهم “وافدون” إليها لا أصلاء على هذه الأرض وهي فوق ذلك تحمل الكثير من “المنّ” الذي لا يخلو من “أذى” على السكان الأصليين بأن هؤلاء المهاجرين لم يأتوا للظلم أو الإضطهاد ولو أرادوه لفعلوا، على الرغم من أن مرويات شفاهية متواترة ومدونات تأريخية موثوقة تقول بخلاف ذلك….

(التعليق لمحدثي أيضًا)

(ويواصل):

ثمة مقطع آخر يستحق التمعّن، وهو الإشارة إلى “أعداء غير معرٌفين”:

وكثيرون في صدورهم

تتنزى الأحقاد والإحن

يتحدث هذا المقطع عن وجود “كراهية وحقد” في صدور “كثيرين” لم تفصح عنهم القصيدة.

هل هم من داخل الوطن؟ أم من خارجه؟

هل هم جيران أم أباعد؟ وهل هم أعداء افتراضيون لتوحيد الصف الداخلي ضدهم؟

أم أنهم موجودون حقيقة؟

(يشرح محدثي):

هذا الغموض قد يفتح آفاقًا لتأويلات متباينة، وربما يُستغل لخلق شعور دائم بوجود تهديد مجهول المصدر، مما يزيد المشهد السوداني تعقيدًا ويُعمّق جذور عدم الثقة بين مكوناته الداخلية ومحيطه الخارجي.

(يتساءل محدثي):

المثير للدهشة أن هذه الأغنية الوطنية، على الرغم مما تحمله من تفضيل لمكون بعينه على سائر مكونات السودان الأخرى، تحظى باحتفاء كبير وقبول واسع لدى شرائح عريضة من مكونات سودانية أصيلة غير عربية “بالفهم السائد” فهل يعكس هذا القبول والإحتفاء مدى ترسخ رواية تاريخية محددة؟

أم

أن الشعور الوطني الطاغي الذي تستدعيه مفردة “أنا سوداني” قد حجب عن المتلقي ما تنطوي عليه القصيدة من تناقضات واضحة؟

(يواصل محدثي):

الأبيات التالية من القصيدة، تحتاج أيضًا لوقفة متأملة:

أَيُّهَا النَّاسُ نَحْنُ مِنْ نَفَرِ

عَمَّرُوا الأَرْضَ حَيْثُمَا قَطَنُوا

يَذْكُرُ المَجْدُ كُلَّمَا ذُكِرُوا

وَهُوَ يَعْتَزُّ حِينَ يَقْتَرِنُ

حَكَمُوا العَدْلَ فِي الوَرَى زَمَناً

أَتُرَى هَلْ يَعُودُ ذَا الزَّمَنُ

رَدَّدَ الدَّهْرُ حُسْنَ سِيرَتِهِمْ

مَا بِهَا حَطَّةٌ وَلَا دَرَنُ

(يطلب محدثي)

إعادة قراءة هذه الأبيات على ضوء الأزمة الراهنة التي تعصف بالسودان وما آل إليه واقع الحال ومقارنة كل ذلك مع الإدعاء التاريخي بحسن سيرة الأجداد العرب مع سلوكيات وأفعال مكونات متورطة في المحرقة التي تدور رحاها الآن على أرض السودان، مع ادعاء من يقومون بهذه الأفعال المنكرة إنتماءً وثيقًا لـ”دوحة العرب”، بل إلى أعزّها “قريش”، ويقصد هنا “عرب الشتات” الذين تداعوا لإقتلاع شأفة أهل السودان “عربًا وعجمًا” في محاولة لإحداث أكبر عملية تغيير ديموغرافي في العصر الحديث.

(يجيب محدثي):

دون أدنى شك أن نتيجة المقارنة لن تكون في صالح ما رسخته القصيدة من قيم، بل ستقود إلى مفارقات قاسية وتجعل ما نُسب إلى الأجداد من عدالة الحكم والبعد عن الظلم محل شك وريبة.

(أخيراً ينصح محدثي):

إن ما يتعين علينا الآن فعله والتركيز عليه، حتى لا نورث الأجيال القادمة مداخل ومبررات لأنشودة مماثلة منسوجة على ذات المنوال، تمجّد “عرب الشتات” الذين شاركوا كـ”مرتزقة” في الحرب على السودان، بادعاء أنهم هبّوا من مضاربهم في صحارى أفريقيا وقفارها، لتخليص الشعب السوداني من شرور “الكيِزان” وتحت ذريعة ترسيخ قيم الديمقراطية الحقة وقواعد الحكم الرشيد: وحتى لا يصبح ذلك ممكنًا، علينا أن تُعلي من ممسكات الوحدة والوطنية وتوطيد عناصر الهوية السودانية وعلينا أن نتجاوز التصنيفات السطحية الضيقة في كوننا عربًا خُلصًا أو أفارقة أقحاح،

كما آن لنا إعادة قراءة وتقييم مواقف بعض من تهافتنا للإنتماء إليهم ثقافيًا أو عرقياً من أصول عربية “بعيدة” طالتنا شرورها، وأخرى أفريقية “جارة” لم تأمن بوائقها.

(انتهى كلام محدثي)

الآن، إطوِ ما قيل عن الإستعلاء العرقي وغيره مما ورد بعاليه، ودعك أيضًا من نصيحة محدثي، وأقبل على تمعن الحقائق التالية علها تعيد رسم خارطة الإنتماء الوطني عندك وتصحح لديك المفاهيم، لتدرك أن الفخر بـ”أنا سوداني” يتجاوز كل التصنيفات الضيقة.

ولكن….

(ولكن قبل أن نفعل، لا بد من إستئذان -واجب- من صاحب المقال “الأصل”، الموقع باسم الكاتب “كوشي بن كوشي بن سيد العرب والعجم” الذي أخذنا عنه الكثير من الإضاءات).

يقول الفيلسوف الفرنسي إرنست رينان: “لكل شخص في العالم جنسيتان، جنسية بلده التي يعيش فيها، وجنسيته ك”كوشي” بحكم أصوله البعيد لأنها البلاد التي شهدت ميلاد الإنسان الأول”. هذه المقولة ليست مجرد عبارة عابرة، بل هي مفتاح لفهم أن السودان، أو أرض “كوش”، هي مهد الحضارات وأصل البشرية، ومنها إنطلقت الهجرات التي شكلت وجه العالم القديم.

وتؤكد المصادر التاريخية أن العرب الأوائل كانوا يتميزون بسمرة البشرة أو “الأدمة”، وهو ما يتوافق مع طبيعة سكان السودان الأصليين. فالجاحظ في كتابه “فضل السودان على البيضان” أشار إلى أن آل هاشم، “بيت النبوة”، كان بعضهم “أدلم” أي شديد السواد، وبعضهم “آدم” أي أسمر. وهذا يؤكد أن الأصول العرقية للعرب كانت تميل إلى السمرة، مما يربطهم بأهل السودان لا يباعدهم وبالنظر إلى خارطة العالم العربي، سنجد أن مفهوم “العروبة النقية” أو “البيضاء” هو مفهوم حديث ومضلل، لا يتماشى مع الحقائق التاريخية والجينية. فالكثير من من يُصنفون أنفسهم “عرباً خلصاً” في دول مثل العراق والشام، هم في الحقيقة من أصول كردية وفارسية وأرمنية وتركية وغجرية. والبحرين تضم فرساً، والإمارات وقطر لديهما مكون هندي. واليمن وعمان يضمان أفارقة وكذلك موريتانيا.

أما تونس والجزائر والمغرب وليبيا تذخر بلدانهم بالبربر والأمازيغ وقبائلهم السوداء.

أما عن تكارنة السعودية وأحباشها وقبائلها السمراء والسوداء، والبيضان المقيمين بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم وإمتدادها شمالها، فإنهم جميعاً جزء من نسيج متنوع.

 أما مصر فتضم أقباط وألبان وشراكسة وأحفاد الفراعنة و…..

 والشام فيها أرمن وأتراك وأحفاد مغول وأذريون وغجر. والعراق فيه آشوريون وكلدان وسومريون من السودانيين القدماء. وفلسطين تضم التكريتيين، والكويت فيها فرس “وبدون”.

 والأردن، فيها أنباط وهكذا….

أما شمال جزيرة العرب، فإن أصول أهلها تمتد إلى البجا الكوشيين، أسلاف العرب العاربة، الذين هاجروا من أرض السودان الشرقية مروراً بسيناء حتى عمق الحجاز.

كما أن آل هاشم، بيت النبوة، هم كوشيون بلا جدال، “لأنه لا رسول إلا من أصول كوشية”. و”هاشم” تعني حرفياً “خدام المقدس” أو “خدام الله”، لأن طبيعة عملهم إرتبطت بالبيت المقدس (البيت العتيق) حيث القبلة الأولى في جبل البركل المقدس بأرض كوش. حتى اليهود، أو بني إسرائيل، هم تجمع لاثنتي عشرة قبيلة كوشية.

(إنتهي

الآن…….

وبعد أن تمعنت ما ذكرنا عن كوش أحضر صدر المقال من الهامش وأعد قراءته إبتداء بالأبيات التي تتحدث عن “حكموا العدل في الورى زمناً” و”نزحوا لا ليظلموا أحداً” ستجدها تُشير إلى الدور الحضاري الرائد لأسلاف أهل السودان من الكوشيين، الذين حملوا رسالة التوحيد والقيم السامية إلى مناطق أخرى، بما في ذلك شبه الجزيرة العربية.

هذه المجموعة هم أهل السودان وهم الساس والرأس، هم الأصل والفخر، وأن إنتساب الآخرين إلينا هو تاج على رؤوس أولئك المتنطعين.

لذا، فإن الفخر بـ”أنا سوداني” لا ينبغي أن يُفهم على أنه تفضيل لمكون عرقي على آخر داخل جغرافيا السودان، بل هو إحتفاء بهوية جامعة متفردة أصلها ثابت وفرعها يظلل كل العالم، وهي أمة تنبع قيمتها من تمازج أعراق شتى.

إن السودان، بأهله الكرام، هو تجسيد حي لتاريخ طويل من التفاعل البشري، حيث تداخلت الأصول وتمازجت الثقافات لتصنع هوية فريدة لا يمكن إختزالها في تصنيفات ضيقة.

 إننا لسنا عرباً خالصين ولا أفارقة فقط، بل نحن كوشيين ،سودانيون، ونحن خلاصة هذا التمازج العظيم، وأصلٌ لحضارات إمتدت جذورها لتشمل العالم بأسره.

السودان، بكل مكوناته، هو إمتداد طبيعي لتاريخ هذه الأرض العظيمة. هويتنا ليست قصة غزو أو إستعلاء، بل هي سردية أصالة وريادة وتمازج، تمتد جذورها إلى فجر الإنسانية.

ختاماً إخوتي :

من كان منكم شديد البياض:

من كان منكم “خاتف لونين” :

ومن كان منكم شديد السمرة:

آن لكم أن ترددوا وبالصوت العالي “أنا سوداني” بكل فخر وإعتزاز

ودمتم……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى