مقالات

غياب الاستراتيجية الدبلوماسية لإحتواء العقوبات

الأمريكية على السودان: تحليل وسردية نقدية

 عثمان شيخ الدين عكرة

منذ أن بدأت العقوبات الأمريكية تتوالى على السودان ابتداءً من تسعينيات القرن الماضي، كان من الملاحظ أن الخرطوم لم تبلور أبدًا استراتيجية دبلوماسية واضحة المعالم لاحتواء تلك العقوبات، أو حتى للتفاوض بشأنها بطريقة تكفل مصالح البلاد، وتحاصر آثار الحصار المتنامي الذي استهدف مفاصل الاقتصاد، وشل قدرة الدولة على التفاعل مع النظام المالي العالمي. هذا الغياب الفادح للاستراتيجية لم يكن عرضًا مؤقتًا، بل كان جزءًا من مشكلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة السودانية، وآلية اتخاذ القرار السياسي، وضعف المؤسسة الدبلوماسية نفسها، التي لم تخرج عن كونها أداة تنفيذ سياسي لا تملك زمام المبادرة أو آليات التأثير.

أولًا: خلفية العقوبات وأسبابها

فرضت الولايات المتحدة الأمريكية أولى عقوباتها الشاملة على السودان في العام 1997 بموجب أمر تنفيذي من الرئيس بيل كلينتون، بسبب ما وصفته بدعم السودان للإرهاب الدولي، وانتهاكات حقوق الإنسان، وتورطه في الحرب الأهلية الدامية. وعلى الرغم من إنكار الحكومة السودانية لتلك المزاعم، إلا أن النبرة الرسمية ظلت تنحو منحى تصادميًا، يعتمد على الإنكار والتشكيك في نوايا واشنطن، دون السعي إلى بناء قنوات تواصل فاعلة مع الإدارة الأمريكية أو مع الدوائر المؤثرة في القرار هناك، وعلى رأسها الكونغرس ومراكز الضغط الإعلامي والفكري.

ثانيًا: ضعف الرؤية الدبلوماسية وعدم وجود استراتيجية احتواء

في المقابل، لم تبادر الدولة السودانية – رغم امتلاكها لجهاز دبلوماسي واسع تقليديًا – إلى إعداد خطة وطنية شاملة للتعامل مع واقع العقوبات. فبدلًا من إطلاق حملة دبلوماسية نشطة على غرار ما تفعله دول أخرى تواجه ضغوطًا مماثلة، لجأت الحكومة إلى سياسة الهروب إلى الأمام، وتغليف الموقف بـ”شعارات سيادية” أو “استهداف إسلامي” أو “تآمر صهيوني”، دون فهم عميق لديناميكيات النظام العالمي، ولا لطرق التأثير عليه.

كانت تلك الخطوة بداية ما يمكن تسميته بــ”الاستقالة الاستراتيجية للدبلوماسية السودانية”، حيث غاب التحليل العقلاني والبراغماتي في الموقف الرسمي، وتمت إدارة الأزمة بشعارات أيديولوجية، أضرّت أكثر مما أفادت، وأسهمت في تأطير السودان في خانة الدولة المارقة أو المعادية، مما عزز موقف اللوبيات المعادية للسودان، ووسّع من نطاق تأثيرها.

ثالثًا: تضعضع الأدوات الوطنية في مواجهة العقوبات

لم تتوفر لدى السودان الأدوات أو المؤسسات التي يمكنها مقاومة أو التحايل على نظام العقوبات عبر مسارات قانونية أو اقتصادية أو إعلامية. فعلى المستوى الاقتصادي، لم تكن هناك منظومة مالية بديلة، ولم تكن المصارف السودانية مؤهلة أصلاً للتعامل مع نظام التحويلات العالمي (SWIFT) بعد العزلة التي فرضتها العقوبات. أما على المستوى الإعلامي والدعائي، فلم تُفعل أي برامج توعوية موجهة للرأي العام الغربي، خصوصًا في الولايات المتحدة، مما جعل الرواية المعادية للسودان تهيمن بشكل شبه كامل على النقاش العام.

وفي المقابل، كان يُفترض أن تعمل الدولة على تأسيس وحدات متخصصة في تتبع العقوبات وتأثيراتها، وبناء شراكات قانونية دولية للدفاع عن البلاد أمام المحاكم الأمريكية – خاصة في قضايا الإرهاب – إلا أن هذا لم يحدث، وظلت المعالجة محصورة في خطاب داخلي عدائي، يعيد إنتاج الأزمة ولا يقدم أي حلول.

رابعًا: ضعف التفاوض وعدم استغلال الفرص

مرّت سنوات عدة كان فيها السودان يمتلك فرصًا ذهبية للتفاوض حول العقوبات، لاسيما خلال السنوات التي تلت التعاون الاستخباراتي بين جهاز الأمن السوداني ووكالة المخابرات الأمريكية (CIA) بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث تعاون السودان بشكل غير مسبوق في ملفات الإرهاب. لكن الخرطوم لم تنجح في ترجمة ذلك التعاون إلى رافعة سياسية ترفع بها الحظر أو تعيد بها علاقاتها مع واشنطن إلى مسار طبيعي. وهو ما يعود إلى غياب التخطيط الاستراتيجي، وضعف الفهم السياسي للدبلوماسية التفاوضية.

ثم جاءت فترة انفصال الجنوب (2011)، وكان من الممكن أن تستغلها الخرطوم كمرحلة مراجعة تاريخية تقدم فيها نفسها كدولة جديدة تسعى لتطبيع علاقاتها الخارجية، لكن مرة أخرى، تم تضييع الفرصة، بسبب عدم وجود خطاب جديد أو تغيير حقيقي في بنية الدولة وأولوياتها الخارجية.

خامسًا: المؤسسات الدبلوماسية بين التسييس والضعف

تعرضت وزارة الخارجية السودانية إلى تسييس ممنهج منذ التسعينيات، بعد أن أصبحت غالبية السفراء والدبلوماسيين من المحسوبين على النظام الحاكم، وقلّ ما تُركت الكفاءة أو الخبرة معيارًا لاختيار الممثلين الخارجيين. وقد انعكس هذا التسييس على أداء الوزارة، وأدى إلى حالة عامة من الترهل، والانغلاق الفكري، وضعف المتابعة الدقيقة لما يُكتب أو يُتداول في الخارج عن السودان.

كما أن بعض البعثات الدبلوماسية – خاصة في واشنطن ولندن – لم تؤدِ دورها في التأثير أو بناء العلاقات مع مراكز التأثير الأمريكية، بل كانت في كثير من الأحيان غائبة عن مجريات الأحداث، أو تعيش عزلة داخل الجاليات السودانية، بلا أدوات تواصل حقيقية مع صناع القرار الغربيين.

سادسًا: غياب الاستراتيجية الإعلامية الدولية

واحدة من أهم أدوات احتواء العقوبات وبناء التفاهم الدولي هي الإعلام الموجه للخارج، وهو ما فشلت فيه الخرطوم فشلًا ذريعًا. لم تنشئ منصات باللغات الأجنبية تخاطب الرأي العام الغربي، ولم تدعم وجود كوادر ناطقة بالإنجليزية داخل منظومة الدولة. وفي مقابل آلة إعلامية غربية ضخمة تتحدث عن انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور والجنوب وكردفان، كان الصوت السوداني ضعيفًا، غير علمي، مترددًا، ومشحونًا بالانفعالات.

حتى عندما قامت الدولة بدفع مبالغ كبيرة لشركات علاقات عامة في واشنطن، لم يكن ذلك وفق خطة استراتيجية واضحة، بل كان أقرب إلى الرشوة السياسية قصيرة الأجل، ما لبث أن تلاشى أثرها، وعادت الضغوط بأقوى مما كانت عليه.

خاتمة واستنتاجات

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن غياب استراتيجية دبلوماسية مدروسة للتعامل مع العقوبات الأمريكية كان نتيجة لتراكمات من التسييس، والانغلاق الفكري، وغياب التحليل العقلاني للأزمات، إضافة إلى فقر في الكوادر الدبلوماسية المدربة، وتجاهل لأهمية الإعلام الدولي، والتعامل مع العلاقات الدولية بعقلية داخلية أمنية لا تدرك تعقيدات التفاوض الدولي.

لم يكن السودان بلدًا يستحق كل هذا العزل الطويل لو توفرت له قيادة دبلوماسية مؤسسية، ذات كفاءة، قادرة على مخاطبة الآخر بلغته، وفهم مصالحه، والتفاوض على أساسها. وما لم تتم إعادة بناء السياسة الخارجية السودانية على أسس علمية، وتحريرها من عقلية الشك والإنكار، فستظل البلاد عرضة لعقوبات جديدة، أو لعزلة ناعمة تعطل تقدمها، وتزيد من هشاشتها في مواجهة العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى