مقالات

الأصابع الخفية في السودان قراءة في استراتيجية التفكيك الإسرائيلي

بقلم: عثمان عَكرة – كاتب فى العلاقات الدولية والإعلام

في مقاله المنشور مؤخرًا، والموسوم بـ “ماذا فعلت إسرائيل في السودان؟”، قدّم الدكتور ياسر يوسف إبراهيم قراءة تحليلية لافتة لدور إسرائيل التاريخي والمستمر في تفكيك السودان وإضعافه، مستندًا إلى وثائق، وتصريحات لمسؤولين إسرائيليين، وشهادات نادرة من الفاعلين في الحركات الانفصالية المسلحة، في الجنوب سابقًا، وفي الغرب لاحقًا.

هذا المقال، رغم حرصه على عدم الانزلاق إلى فخ نظرية المؤامرة، كشف بالأدلة أن إسرائيل لم تكن لاعبًا عابرًا في حروب السودان، بل فاعلًا إستراتيجيًا مارس ما يمكن وصفه بـ”الهندسة الجيوسياسية” ضد بلد ظل دومًا في مرمى الأمن القومي الإسرائيلي، سواء باعتباره سندًا تاريخيًا لمصر، أو لخوف إسرائيل من تحوّله إلى قوة إفريقية/عربية قادرة على التأثير في معادلة الصراع بالمنطقة.في هذه المداخلة، أسعى إلى تحليل ما ورد في مقال الدكتور ياسر، واستخلاص التحديات المركزية التي أشار إليها، وتقديم رؤية عملية لمواجهة هذا التحدي الإسرائيلي المتجدد.

 نقاط القوة في المقال الأصلي

يُحسب لمقال الدكتور ياسر اعتماده على وثائق حقيقية ومصادر إسرائيلية، مثل وثيقة “كيفونيم”، وشهادات ضباط الموساد، وتصريحات لوزراء أمن إسرائيليين، لتأكيد حجم التورط الإسرائيلي في تغذية النزاعات داخل السودان.كما يحسب له الانطلاق من مدخل عقلاني واقعي، يبتعد عن الفهم التآمري الساذج، مع إبراز التقاطعات بين الأمن القومي الإسرائيلي، والنزاعات العرقية والدينية في السودان، منذ ما قبل الاستقلال وحتى اللحظة الراهنة.

 أبرز المحاور التي يتناولها  المقال الاستراتيجية الإسرائيلية المعلنة تجاه السودان :

تشتيت السودان عبر سياسة شدّ الأطراف.

دعم الحركات الانفصالية في الجنوب (منذ الخمسينيات)، والغرب (في دارفور)، وتحريك النزاعات الإثنية والحدودية.

تعطيل مشاريع تنموية مثل قناة جونقلي.

استنزاف السودان لحرمانه من أن يصبح سندًا لمصر.

 الجانب العقائدي والأسطوري:

إشارات إسرائيلية إلى “السبط الضائع” في جنوب السودان.

تبريرات عقائدية استُخدمت لتسويغ التدخل في إفريقيا وبلاد النيل.

 العلاقات مع حميدتي والدعم السريع:

لقاءات مبكرة مع قادة الدعم السريع.

توظيف النزاع الداخلي لصالح تأمين إسرائيل من “الإسلاميين”.

شيطنة الجيش السوداني عبر حملات إعلامية بوصفه “حماس أفريقيا”.

 الدور الإعلامي والمنظمات الدولية:

استخدام أزمة دارفور في إطار حملة عالمية انطلقت من منظمات يهودية في واشنطن.

المساهمة في إحالة الملف السوداني إلى المحكمة الجنائية الدولية.

إضعاف صورة السودان خارجيًا وإحاطته بالعزلة.

 الملاحظات المهنية على المقال الأصلي

رغم قوة التحليل والمصادر، يمكن تسجيل بعض الملاحظات المهنية:

ضعف التناول المحلي: المقال ركز بشكل مكثف على “الخارج”، دون الغوص عميقًا في مسؤولية النخب السودانية عن توفير البيئة الخصبة للتدخلات الخارجية.

غياب الدور الأفريقي: لم يتناول المقال كيف أسهمت بعض الدول الأفريقية، التي تربطها علاقات قوية بإسرائيل، في تسهيل تدخلاتها.

غياب تحليل شبكات المصالح الاقتصادية: التدخلات الإسرائيلية ليست فقط أمنية، بل لها أبعاد تتعلق بمصالح في المياه، الزراعة، والمعادن، وهو جانب مغفَل في التحليل.

 ماذا يتطلب هذا الأمر؟

لمواجهة هذا النمط من “الحروب بالوكالة والتفكيك الخفي”، نحتاج في السودان إلى تحولات جذرية في الوعي، والسياسة، والاستراتيجية الأمنية، ويمكن تلخيص المتطلبات في المحاور الآتية:

بناء إستراتيجية أمن قومي شاملة

إطلاق مركز دراسات وطني مستقل يُعنى برصد التهديدات غير التقليدية (مثل الهندسة الاجتماعية، الدعم السري للمليشيات، حروب المعلومات).

توثيق كامل لتاريخ التدخلات الأجنبية في السودان وتقديمه لمراكز القرار، وللرأي العام العالمي.

تحصين الجبهة الداخلية

دعم مشاريع تنموية تكاملية في الأقاليم المهمشة، تُضعف من فرص التجنيد السياسي والإثني.

إطلاق برامج وطنية لترسيخ الهوية السودانية الشاملة في مواجهة خطابات التقسيم والتمييز.

 إصلاح السياسة الخارجية

مراجعة علاقة السودان بإسرائيل ضمن رؤية واقعية، لا تنطلق من الشك المجرد، ولكن من مصالح واضحة المعالم وأولويات السيادة الوطنية.

الانفتاح المدروس على دول الجوار ذات المصلحة المشتركة في وحدة واستقرار السودان (مثل مصر، إثيوبيا، تشاد).

 إعلام استراتيجي وطني

مواجهة السرديات الإسرائيلية عبر دعم إنتاج إعلامي استقصائي يكشف وقائع التدخلات الخفية.

توجيه حملات خارجية لحشد التعاطف الدولي مع وحدة السودان وفضح محاولات تقسيمه.

 ختاما :ما بين “الأصابع الخفية” واليد الوطنية

إن الرهان على الخارج لتفسير كل مشكلات الداخل هو اختصار مخلّ، لكنه لا يلغي حقيقة أن “الأصابع الخفية” ليست وهمًا. إسرائيل، وفق ما قدّمه المقال، مارست وما زالت تمارس دورًا فعّالًا في صياغة خريطة النزاع السوداني، وهو أمر يتطلب يقظة وطنية، واستراتيجية مواجهة ذكية، وتحالفات مدروسة.

السودان يقف اليوم على مفترق طرق حاسم؛ فإما أن نعيد إنتاج ذات المسارات التي قادتنا إلى الضعف والتشظي، أو أن نرتب بيتنا الداخلي ونستعيد زمام المبادرة.

إن مقالة الدكتور ياسر يوسف تمثل جرس إنذار للوعي السوداني والعربي، وتستحق أن تُناقش بعمق لا من باب الهلع، بل من باب التخطيط لإنقاذ ما تبقى من سودان ما بعد الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى