
*إثيوبيا وإريتريا تستعدان للمواجهة… مصر تتحوّط والسودان يترقب بعد زيارة استخباراتية تطلب الحياد*
* في خضمّ المشهد الإقليمي المحتقن ، تتسارع المؤشرات على تصعيد إثيوبي جديد، يتجاوز ملف سد النهضة ليمتد إلى تخوم البحر الأحمر، عبر تحركات عسكرية ودبلوماسية لافتة تشمل كلًا من “جيبوتي، وإريتريا، والمنطقة العفرية الحساسة”. هذه التحركات تقابلها مواقف مصرية متشددة، ورفض صريح لسياسات أديس أبابا، فيما تنزلق المنطقة نحو معادلة معقدة تجمع بين الطموح البحري الإثيوبي، والتوجس الإريتري، والانكفاء السوداني.
* يأتي هذا كله في لحظة تبدو فيها “المنطقة العفرية” مرشحة لأن تكون نقطة اشتعال بين مشاريع النفوذ، مدفوعة بخطاب قومي إثيوبي يستدعي الحق التاريخي في المنافذ البحرية، في مقابل اتهامات متزايدة لإريتريا بانتهاج سياسة التهجير وتغيير الواقع السكاني في سواحلها. وبينما تتحرك إثيوبيا في اتجاهات متعددة، من تعزيز التعاون العسكري مع جيبوتي، وزيارة قائد سلاح الطيران الإثيوبي إلى أبوظبي في إشارة إلى ترتيبات أمنية أعلى، إلى تسويق السردية العفرية في المحافل الدولية – تبدو المنطقة على أعتاب مواجهة مفتوحة أو تدويل صاخب، في ظل غياب توافق إقليمي وانشغال الأطراف الدولية.
(١) تطورات تتجاوز السد… نحو البحر الأحمر
* تتزايد المؤشرات على تحرك إثيوبي نشط خارج إطار سد النهضة، وهذه المرة يتجه نحو القرن الإفريقي وسواحله، لا سيما منطقة “العفر الساحلية”، التي تقع في بؤرة التماس بين إريتريا وجيبوتي، وتشكل بوابة طبيعية نحو طموحات إثيوبيا البحرية.
* وقد تنامت مؤخرًا مؤشرات التصعيد الإثيوبي، بدءًا من زيارة مستشار الأمن القومي الإثيوبي إلى جيبوتي، واجتماعات لجنة عسكرية عليا بين الطرفين، وصولًا إلى خطاب رسمي إثيوبي للأمم المتحدة، ينتقد فيه “الممارسات الإريترية” ضد قومية العفر.
* هذا التحرك لم يأتِ من فراغ، بل يتصل مباشرة بالخطاب المتكرر لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بشأن “حق إثيوبيا في منفذ بحري”، وهو الخطاب الذي تحوّل من تلميحات إلى تحركات عملية سياسية وعسكرية على الأرض.
(٢) القاهرة ترفع الصوت: التحذير المصري من إعادة تشكيل القرن الإفريقي
* أطلقت مصر تحذيرات علنية وواضحة، هي الأولى من نوعها منذ سنوات، على لسان وزير الخارجية المصري، الذي أكد أن: “إثيـوبـيـا تسعـى لإعــادة تشكيــل الواقــع في القــرن الإفريقـي بالقـوة”، مشيرًا إلى أن ما يحدث في منطقة العفر يهدد الأمن الإقليمي، وقد يدفع إلى مواجهة غير محسوبة العواقب.
* يحمل التصريح المصري دلالات مهمة:*أولًا* ، يشير إلى نوع جديد من التقدير الاستراتيجي المصري للمخاطر التي لا تتوقف عند أزمة سد النهضة. *ثانيًا* ، يعكس رفضًا مصريًا لأي محاولات إثيوبية لفرض أمر واقع جديد على البحر الأحمر، لما لذلك من تهديد مباشر لمصالح مصر الحيوية. *ثالثًا*،قد يكون تمهيدًا لتحرك دبلوماسي أو أمني مصري مضاد يعيد رسم خطوط التماس والنفوذ *(٣) إريتريا: الهدف الصامت لتحركات إثيوبيا*
* تظهر إريتريا كهدف رئيسي غير معلن للتحركات الإثيوبية. فمنطقة العفر التي تثار حولها الادعاءات الإثيوبية تخضع للسيطرة الإريترية، وتُعتبر خط الدفاع الأول لأسمرا على ساحل البحر الأحمر.
* الاتهامات الإثيوبية لإريتريا بارتكاب “انتهاكات ضد قومية العفر” تهدف إلى نزع الشرعية السياسية والعرقية عن سيطرة إريتريا على تلك المناطق، تمهيدًا لاستدعاء تدخل دولي، أو فرض تفاهمات تُلزم إريتريا بفتح منافذ أو تقديم تنازلات.
* وبينما تلوّح إثيوبيا بـ”الحق العرقي والتاريخي”، تعتمد إريتريا على أدواتها الأمنية الصلبة، وتاريخها في الدفاع عن السيادة، مما ينذر بصدام محتمل في حال استمر الضغط الإثيوبي وتصاعد الخطاب القومي التعبوي.
(٤) سودان بلا رد… وتهميش إقليمي متصاعد
* كشفت دورية Africa Intelligence الاستخباراتية الفرنسية عن زيارة غير معلنة لمدير جهاز المخابرات الإثيوبي رضوان حسين إلى بورتسودان في يونيو الماضي، حيث سلّم الفريق أول عبد الفتاح البرهان رسالة شفهية من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، تطلب فيها إثيوبيا التزام السودان الحياد الكامل في حال اندلاع مواجهة عسكرية بين أديس أبابا من جهة، وجبهة تحرير تيغراي أو إريتريا من جهة أخرى.
* اللافت أن الزيارة حظيت باهتمام واسع داخل إثيوبيا، وتم تسويقها كخطوة دبلوماسية وأمنية استباقية، بينما قابلها صمت سوداني رسمي تام، دون أي تعليق أو توضيح، رغم حساسية المضمون. وبحسب ذات المصدر، أبدى البرهان تحفظه على الطلب، لكنه لم يصدر موقفًا سياسيًا معلنًا، ما يعكس استمرار نهج الترقّب والإرجاء، ويفاقم من صورة السودان كطرف هامشي في خريطة التفاعلات الإقليمية.
(٥) السيناريوهات المفتوحة… حرب مؤجلة أم تدويل مرشح؟
* أمام هذا المشهد، تبرز عدة سيناريوهات محتملة:
1. المواجهة المباشرة بين إثيوبيا وإريتريا عبر منطقة العفر أو من خلال تحركات وكيلة.
2. التدويل التدريجي للصراع من خلال الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
3. تفاهمات مغلقة عبر وساطات إقليمية (إماراتية أو صينية) تمنح أديس أبابا منفذًا بحريًا رمزيًا.
4. تصعيد مصري محتمل سياسيًا أو أمنيًا لمواجهة الطموح الإثيوبي.
خـــلاصـــة الـــقـــول ومنـتـهــاه
* ما يجري في إقليم العفر وعلى سواحل البحر الأحمر ليس مجرد خلاف حدودي، بل صراع جيوسياسي عميق لإعادة رسم خريطة النفوذ في شرق إفريقيا. والمفارقة أن السودان – رغم امتلاكه أطول شاطئ على البحر الأحمر – يظل الطرف الأكثر غيابًا وتأثرًا، دون أن يمتلك أدوات الفعل أو حتى حق الاعتراض.
* الصراع المقبل لن يكون فقط حول المياه، بل حول من يملك الموانئ، ومن يعيد كتابة قواعد المرور البحري في أحد أهم ممرات التجارة العالمية. فهل ننتظر حتى تُحسم الخارطة بالنار، أم نُبادر قبل أن يفوت أوان التأثير؟


