مقالات

القــرن الإفريقــي علـى صفيح ساخن (3-3)

الإمـارات تلعـب بالنـار... و مصـر تُراقـب بحـذر، و تركيـا تُعـزّز الحضـور، و السـودان في قلـب العاصفــة بيـن التحالفـات والمخـاطـر

 عمار العركي

▪️تتواصل التوترات في القرن الإفريقي، لكن خلف الكواليس، تحركات إقليمية ودولية تلعب دورًا أكبر مما يُعلن، حيث تبرز الإمارات كلاعب إقليمي استراتيجي يعيد تشكيل الصراع بما يخدم مصالحه، خصوصًا بدعم إثيوبيا ضد إريتريا. وفي ظل هذا الصراع، يظل السودان في موقف متردد وهش، بين تداخل التحالفات وتزايد التحديات.

▪️التدخـل الإماراتـي وتأجيًج الصراع الإثيواريتري :

الإمارات باتت فاعلًا رئيسيًا في النزاعات بالقرن الإفريقي، مستغلة وضع البحر الأحمر الحيوي وموقعه الجيوسياسي لتوسيع نفوذها. دعم أبوظبي لإثيوبيا سياسيًا وعسكريًا يتضح عبر:

*الدعم السياسي والدبلوماسي: حيث تساند الإمارات الخطاب الإثيوبي المتصل بحقوق الموانئ والمنافذ البحرية، وتعمل على محاصرة إريتريا.

*الدعم العسكري واللوجستي: تقارير عدة تؤكد وجود تدريب ومساعدات عسكرية على الأراضي الإثيوبية، إضافة إلى الدور الإماراتي في الوساطات السياسية مثل تلك التي تدور في بوصاصو بين تركيا وبونتلاند.

*الاستثمار في مراكز النفوذ: تبني الإمارات قواعد لوجستية ومراكز دعم في موانئ بحرية متعددة، ما يعزز قدرتها على التأثير في المنطقة.

▪️هذا الدور الإماراتي المهيمن يُعدّ من المحركات الأساسية لتغذية الصراع الإثيوبي-الإريتري، وإبقاء المنطقة على صفيح ساخن، عبر تحريك أوراق كثيرة في إطار لعبة نفوذ إقليمية.

▪️المجموعات المسلحة والعلاقة السوداريترية، بين التعاون والتوتر:

في المشهد الأمني المعقد، تلعب المجموعات المسلحة السودانية، ، دورًا متشابكًا:

*زيارة شيبة ضرار إلى أسمرة ولقاؤه بالرئيس الإريتري فى هذا التوقيت يثير تساؤلات مشروعة عن ثمة تنسيق عسكري تكتيكي مع إريتريا؟، قد يُستغل في النزاعات الإقليمية، ويزيد من تعقيد الأوضاع في السودان.

* في المقابل، تحافظ أسمرة على علاقات تعاون مع الخرطوم، وتدعم الحكومة والجيش السوداني ضد المليشيات، في محاولة لتأمين الحدود واستقرار المنطقة.

*هذه الديناميكية تُظهر هشاشة المشهد الأمني في السودان، حيث تتقاطع التحالفات والتوترات، ما يهدد الاستقرار الداخلي ويعقد العلاقات الإقليمية.

▪الإمارات ومرتزقة كولومبيا ، فضيحة متجددة و تأجيج متعمد :

كشفت تقارير حديثة عن استجلاب الإمارات لمرتزقة كولومبيين إلى مناطق سيطرة مليشيات آل دقلو في غرب السودان، في محاولة واضحة لإعادة إشعال الحرب وتغذيتها في شرق السودان، وهو الموقع الجغرافي الحساس المتاخم لإثيوبيا وإريتريا.

▪️هذا التدخل يجعل من مناطق سيطرة مليشيات آل دقلو، التي تتلقى دعمًا من مرتزقة إقليميين ودوليين، قاعدة متقدمة لإسناد وإمداد إثيوبيا في صراعها مع إريتريا، ويقحم شرق السودان كطرف ثالث في النزاع الإثيوبي-الإريتري.

▪️تكمن الخطورة في أن استقدام المرتزقة تحت غطاء دعم هذه المليشيات المحلية يُعطي أبوظبي أداة فعالة لتحريك الصراع وتعميقه، عبر الدفع بالمليشيات والمرتزقة إلى مساندة إثيوبيا عسكريًا.

▪️بالتالي، فإن استقدام المرتزقة الأجنبية المستجلبة تحت غطاء دعم مليشيا آل دقلو، قد يدفع الإمارات لاستخدام المليشيات المحلية والمرتزقة لمساندة إثيوبيا عسكريًا. ولا يُستبعد أن تتهم إريتريا السودان بدعم إثيوبيا، في حين قد ترد إثيوبيا باتهام السودان بدعم إريتريا مستندة إلى وجود فصائل سودانية شرقوية تتلقى رعاية داخل الأراضي الإريترية.وهذا التراشق يُعمق تعقيد المشهد ويهدد استقرار السودان والمنطقة بأكملها

▪️الحدود السودانية الإثيوبية… الجبهة المنسية :

في وقتٍ تتجه فيه الأنظار نحو التوتر الإثيواريتري، تعود الحدود الأثيو سودانية إلى الواجهة، ليس فقط كمنطقة نزاع محلي،بل كبقعة متداخلة في صراع النفوذ الإقليمي.

▪️الحادثة الأخيرة التي وقعت في منطقة “أبو لسان” بمحلية باسندة، وأسفرت عن مقتل أربعة رعاة سودانيين ونهب قرابة 800 رأس من الماشية، تُعد امتدادًا لاعتداءات ممنهجة ومتكررة تشنها ميليشيات إثيوبية مسلحة، تحت سمع وبصر الدولة الإثيوبية. هذه الحوادث تتكرر كل موسم خريف، مستهدفة المجتمعات الزراعية والرعوية، لتفرض واقعًا أمنيًا مهددًا في المناطق الخصيبة مثل القضارف والفشقة، وتنعكس سلبيًا على العلاقات المتوترة أصلًا بين البلدين.

▪️فجوة أمنية أم تكتيك سياسي؟ :

تراجع الاهتمام الرسمي السوداني بهذه الجبهة، نتيجة الحرب الداخلية التي تستنزف الجيش والقوات النظامية، خلق فراغًا استغلته الميليشيات الإثيوبية بتكثيف هجماتها. وإن كان الصراع في الفشقة قد شهد حسمًا نسبيًا في الفترة 2019–2021، فإن المستجدات تُظهر بوضوح عودة النفوذ الإثيوبي – عبر الميليشيات – إلى المشهد

▪️ولا يمكن فصل هذه الأحداث عن التوتر الإثيوإريتري،فالميليشيات المدعومة ضمنيًا من أديس أبابا قد تسعى للضغط على السودان من جهة الشرق، خاصة في ظل مخاوف إثيوبية من أن يسمح السودان لإريتريا بالاستفادة من أراضيه حال اندلاع المواجهة، وهو ما يفسر الزيارة الإثيوبية السرية إلى الخرطوم، بهدف الحصول على ضمانات.

▪️التداخل المدني- الأمني : بين الرعي والتجارة والتهريب :

رغم التوتر الأمني، تشهد المناطق الحدودية نشاطًا تجاريًا يوميًا عبر معابر مثل القلابات واللوقدي، إضافة إلى نقاط التبادل الشعبي مثل “الأسرة” و”ود كولي”. هذا التداخل المعقد بين النشاط الاقتصادي والتوتر الأمني يعكس هشاشة السيادة على الأرض، ويفتح المجال لتسللات منظمة، قد تُستخدم لاحقًا كورقة في أي صراع محتمل.

▪️التوترات العسكرية المستمرة على الحدود الإثيوبية-الإريترية:

تزداد مخاوف اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة مع تحركات مكثفة للقوات على الحدود، وانتشار أسلحة ثقيلة من الطرفين، في ظل استمرار خطاب قومي إثيوبي يؤكد على “الحق التاريخي” في منافذ بحرية، ما يفاقم الأزمة.

▪️صراع النفوذ في البحر الأحمر: تركيا والإمارات في مواجهة

الأزمة في بوصاصو والصراع بين تركيا والإمارات على النفوذ في الصومال يعكس أبعادًا أوسع لصراع القوى في البحر الأحمر، حيث تتصارع القواعد اللوجستية والمصالح البحرية، ويتداخل ذلك مع الصراعات الإقليمية المحيطة.

▪️المـوقــف المصـري والسودانـي :

القاهرة تراقب التطورات بحذر، مع تصعيد موقفها السياسي والأمني في مواجهة الطموحات الإثيوبية، بينما يبقى السودان في منطقة رمادية معتمة مترددًا، متأثرًا ومنشغلاً بأزامته الداخلية وتحالفاته الإقليمية الهشة .

▪️خلاصــة القــول ومنتهــاه:

القرن الإفريقي لم يعد مجرد مسرح لصراعات حدودية أو خلافات محلية، بل هو بؤرة لتنافس إقليمي ودولي معقد، تقوده مصالح جيوسياسية استراتيجية، حيث تُلعب الأوراق بحرفية عالية. دور الإمارات كفاعل رئيسي في تأجيج الصراع، ، جعل المنطقة تواجه اختبارًا صعبًا للاستقرار، وفي ظل ذلك يبقي مستقبل القرن الإفريقي رهين ارادة الفاعلين الدوليين وخيارات الإقليميين ، إلى أن يقضى الله أمراً كان مفعولا، فهو أعلم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى