
* في مشهد دبلوماسي مزدحم بالتحولات، حملت الساعات الماضية اختبارين متوازيين لرأسي قمة السلطة في السودان: الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة، والدكتور كامل إدريس رئيس الوزراء. اختبارٌ في الدوحة وآخر في الرياض، والنتيجة تكشف بوضوح من ينجح في جلب المكاسب، ومن يتعثر في إدارة الملفات الخارجية.
لقاء الدوحة: حضور سيادي وثمار سياسية
* لقاء البرهان مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد لم يكن لقاءً شكلياً روتينياً، بل جاء في توقيت استراتيجي متزامن مع القمة العربية الإسلامية الطارئة. أكد اللقاء على دعم قطر لوحدة السودان واستقراره، وأعاد ترسيخ العلاقات التاريخية العميقة بين الخرطوم والدوحة. البرهان ظهر ممسكاً بزمام الملف السيادي، وجنى اعترافاً ودعماً مباشراً يعزز مكانة السودان في موازين المنطقة.
زيارة الرياض: إخفاق بروتوكولي ورسالة ضمنية
* وفي ذات الأثناء، كان د. كامل إدريس يقوم بزيارة رسمية إلى السعودية. غير أن الزيارة لم تحمل زخماً سياسياً أو مردوداً يليق بمقام رئيس حكومة السودان. ضعف الحفاوة، محدودية اللقاءات، وظهور إعلامي باهت، كلها عكست حجم الفتور في استقبال الرجل. أبرز ما جرى تداوله إعلامياً كان لقاؤه مع رئيس الغرفة التجارية السعودية، وكأن الأمر لقاء بين قطاعين خاصين لا زيارة لرئيس وزراء دولة.
* وللاستدلال على تراجع الاعتبارية، صدر بيان مجلس الوزراء السعودي متجاهلاً وجود رئيس الوزراء على أراضيه، مؤكداً دعم الرياض للبيان الرباعي (السعودية، مصر، الإمارات، الولايات المتحدة) بشأن السودان. خطوة أوحت بأن السعودية لا ترى في زيارة كامل إدريس وزناً يفرض نفسه على أولوياتها.
المقارنة: بين المكاسب و الإخفاقات
* الفارق بين المشهدين واضح: البرهان في الدوحة جسّد الدور السيادي الذي يعكس حضور السودان في التوازنات الإقليمية، بينما كامل في الرياض فشل في إحداث أي اختراق سياسي أو دبلوماسي يرفع من مكانة السودان أو وزنه الشخصي كقائد للحكومة. الفيصل بين الاثنين لم يكن التراتبية المؤسسية بل القدرة على تحقيق الفوائد وصون المصالح الوطنية.
الرسالة للداخل والخارج
* ما بين الدوحة والرياض تتضح رسالة أوسع: القوى الإقليمية لا تزن المواقف بالألقاب أو الهياكل، بل بالنتائج. من يبرهن على قدرته في التواصل وحصد المكاسب يجد التقدير والاعتبار، ومن يتعثر في بروتوكوليات باهتة يتراجع إلى الهامش.
*_خلاصة القول ومنتهاه_*
* إن مشهد الدوحة والرياض يوضح أن البرهان، بصفته سيادياً، نجح في تحصيل اعتراف ودعم مباشر من قطر، بينما د. كامل إدريس، بصفته رئيساً للوزراء، أخفق في إقناع السعودية بموقعه وأهميته. والنتيجة أن الداخل السوداني والخارج معاً سيحتكمان لا إلى النصوص أو المناصب، بل إلى من ينجح في جلب المكاسب الوطنية.
* وهنا تبرز الضرورة الملحّة أمام د. كامل إدريس لإعادة النظر في أسلوب إدارته وطاقمه الاستشاري التقليدي، وبناء شراكات أكثر احترافية مع مراكز الدراسات الاستراتيجية المتخصصة. فالتحديات الراهنة لا تُدار بالانطباعات أو اللقاءات الشكلية، وإنما برؤية عميقة وأدوات بحثية قادرة على تحويل رئاسة الوزراء من مقعد بروتوكولي باهت إلى منصة فاعلة تُحقق مصالح السودان وتعزز اعتباره الخارجي.



