
في تحوّل إقليمي لافت، يُعيد رسم ملامح التعاطي مع الأزمة السودانية، أعلنت الهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» إدانتها الصريحة لجرائم وانتهاكات مليشيا الدعم السريع، مؤكدة دعمها الكامل لوحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية القائمة. خطوة تُعدّ الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب، وتحمل دلالات سياسية وأخلاقية عميقة، تُنهي مرحلة الرمادية، وتضع الصراع في إطاره الصحيح: دولة تواجه تمرّدًا مسلحًا، لا نزاعًا سياسيًا بين أطراف متكافئة.
وجاء هذا الموقف بعد حراك دبلوماسي سوداني نشط، تُوّج بزيارة رسمية لرئيس الوزراء د. كامل ادريس إلى جمهورية جيبوتي، التي تترأس الدورة الحالية لمنظمة «إيقاد»، حيث عقد لقاءات رفيعة مع الأمين التنفيذي للمنظمة ورقنة جبيهو، والرئيس إسماعيل عمر قيلي، وعدد من كبار المسؤولين. زيارة أعادت القضية السودانية إلى واجهتها الحقيقية، وأعادت الاعتبار لمنطق الدولة والسيادة.
*إدانة واضحة تكسر التواطؤ الصامت*
للمرة الأولى، تُعلن «إيقاد» موقفًا لا لبس فيه، تُدين فيه «جميع أشكال الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع». هذا البيان لا يُعد مجرد توصيف أخلاقي، بل كسرٌ صريح لحالة التواطؤ الصامت، أو الحياد الزائف، التي ساهمت في إطالة أمد الحرب، ومنحت المليشيا هامش حركة سياسيًا وإعلاميًا لا تستحقه.
لقد وثّقت منظمات دولية وإقليمية مستقلة سلسلة جرائم ممنهجة، شملت القتل على الهوية، والاغتصاب الجماعي، والتهجير القسري، وتدمير البنية التحتية، ونهب مؤسسات الدولة والممتلكات الخاصة. ومن ثمّ، فإن هذه الإدانة، رغم تأخرها، تُعد تصويبًا ضروريًا للسردية الإقليمية، وإعادة تموضع أخلاقي طال انتظاره.
*الدبلوماسية السودانية… من ردّ الفعل إلى صناعة الموقف*
لم يكن توقيت بيان «إيقاد» منفصلًا عن زيارة رئيس الوزراء إلى جيبوتي، بل جاء نتيجة مباشرة لتحرك دبلوماسي واعٍ، نقل السودان من مربع الدفاع إلى موقع المبادرة برؤية متماسكة، تقوم على ثوابت لا تقبل المساومة: سيادة الدولة، وشرعية مؤسساتها، ورفض أي مسارات تفاوضية تُشرعن التمرّد أو تساوي بين القوات المسلحة الوطنية ومليشيا خارجة عن القانون.
كما حظيت المبادرة التي طرحها السودان لتحقيق السلام والاستقرار بترحيب المنظمة، في إشارة إلى إدراك متزايد بأن أي حلّ مستدام لا يمكن أن يُبنى على تسويات رمادية، بل على تثبيت الدولة أولًا، وتجفيف مصادر الفوضى.
*وحدة السودان وسيادته… سقف الحل وحدود الوساطة*
تأكيد «إيقاد» دعمها لوحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية القائمة يحمل رسالة سياسية بالغة الأهمية، في إقليم أنهكته سيناريوهات التفكيك والحروب بالوكالة. فالسلام دون دولة وهم، والاستقرار دون مؤسسات وطنية راسخة سراب.
هذا الموقف ينسف محاولات فرض حلول خارجية تتجاوز الإرادة الوطنية، أو إعادة تدوير المليشيات كفاعلين سياسيين تحت مسميات جديدة. كما يرسم سقفًا واضحًا لأي وساطة إقليمية جادة: احترام السيادة، دعم الشرعية، وتجريم التمرّد دون مواربة.
*تعليق العضوية… من الاحتجاج المشروع إلى إعادة بناء الثقة*
كان السودان قد علّق عضويته في منظمة «إيقاد» في 20 يناير 2024، احتجاجًا على مشاركة قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» في قمة كمبالا، في سابقة عُدّت إضفاءً لشرعية سياسية على التمرّد، وتجاوزًا خطيرًا لأعراف العمل الإقليمي.
اليوم، ومع تغيّر خطاب المنظمة، وإبدائها الاستعداد للترحيب بعودة السودان إلى إطارها المؤسسي، تبرز فرصة حقيقية لإعادة بناء العلاقة على أسس جديدة: وضوح الموقف، واحترام الدولة، والالتزام بدعم مؤسساتها الشرعية. وفي هذا السياق، جاء ترحيب وزارة الخارجية السودانية ببيان «إيقاد» رسالة إيجابية، تعكس انفتاح الخرطوم على مسار إقليمي مُصحَّح، يتجاوز أخطاء الماضي.
*خاتمة:* *من الموقف إلى الفعل… اختبار الجدية الإقليمية*
إن إدانة «إيقاد» لجرائم مليشيا الدعم السريع تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنها ستظل ناقصة ما لم تُترجم إلى مواقف عملية واضحة، تشمل الضغط لوقف أي دعم مباشر أو غير مباشر للمليشيا، وتجفيف مصادر تمويلها، ودعم مسارات المساءلة والعدالة.
*السودان لا يطلب مجاملات سياسية،* بل موقفًا أخلاقيًا صريحًا ينحاز إلى الدولة والقانون وحق الشعوب في الأمن والاستقرار. فإذا ما واصلت «إيقاد» هذا النهج المصحَّح، فإن عودة السودان إلى محيطه الإقليمي ستكون مكسبًا متبادلًا، يؤسس لسلام حقيقي، لا يقوم على التسويات الهشة، بل على الاعتراف بالحقيقة كاملة: ما يجري في السودان معركة دولة في مواجهة التمرّد، وأي مقاربة لا تنطلق من هذه القاعدة محكوم عليها بالفشل


