
في أزمنة الحروب والأزمات الوجودية، لا تكون المعركة في ميادين القتال وحدها، بل في الوعي العام، وفي منظومة القيم، وفي صدق الانتماء الوطني. عند هذه اللحظات الفاصلة، تسقط الأقنعة، ويُعاد تعريف المفاهيم: ما هي المعارضة؟ وأين تقف حدودها؟ ومتى تتحول من حق مشروع إلى أداة لهدم الدولة وتقويض سيادتها؟
إن الطعن في الجيش الوطني، تحت أي ذريعة أو مسمى، يفتح نقاشًا خطيرًا يتجاوز السياسة إلى جوهر الدولة نفسها.
*أولًا: الجيش الوطني… رمز السيادة لا موضوع للمزايدة*
في كل الدول المستقرة، يُنظر إلى الجيش الوطني باعتباره عمود السيادة الفقري، وحارس وحدة الدولة، والضامن الأخير لبقائها.
الخلاف حول السياسات، أو إدارة الحرب، أو القرارات السياسية، أمر طبيعي في أي فضاء عام صحي، لكن تحويل الجيش ذاته إلى هدف للطعن والتجريم في الخارج ليس معارضة، بل مساس مباشر بأسس الدولة.
فالجيش لا يمثل حكومة عابرة أو تيارًا سياسيًا، بل يمثل الوطن في صورته الصلبة، واستهدافه يعني استهداف الكيان الوطني بأكمله.
*ثانيًا: مناعة القيم… الفاصل بين النقد والخيانة*
تُظهر تجارب الشعوب أن وجود منظومة قيم راسخة، دينية أو أخلاقية، يشكل خط الدفاع الأول ضد الخيانة.
في المجتمعات التي تتمتع بهذه المناعة، يُدار الخلاف السياسي داخل الأطر الوطنية، وتُحل النزاعات عبر المؤسسات، ويظل الاستقواء بالخارج سلوكًا مرفوضًا مهما كانت المبررات.
أما في المجتمعات التي تآكلت فيها القيم، فتضيق حدود الوطن، وتتسع مساحات الولاء للفصيل أو العِرق أو الأيديولوجيا، حتى يصبح الطعن في الجيش سلوكًا مبررًا، بل أحيانًا “بطوليًا” في خطاب بعض النخب.
*ثالثًا: تدويل الاتهامات… حين تتحول المعارضة إلى طعن في الوطن*
يتجلى هذا الانزلاق الخطير في لجوء بعض القوى أو الكيانات إلى نقل اتهامات جسيمة بحق الجيش الوطني إلى منظمات ودول أجنبية، بزعم امتلاك معلومات حول انتهاكات كبرى، دون مسار قانوني وطني، ودون أدلة شفافة قابلة للتحقق.
هذا السلوك لا يندرج تحت بند الرقابة أو المحاسبة، بل يقع مباشرة في خانة تشويه صورة الدولة، وتوفير الذرائع للتدخل الخارجي، وفرض العقوبات، وتقييد القرار السيادي.
فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة دول دفعت أثمانًا باهظة عندما استُخدمت مثل هذه الاتهامات بوصفها أدوات ضغط سياسي.
*رابعًا: استهداف الجيوش… مدخل مألوف لإضعاف الدول*
لم يكن استهداف الجيوش الوطنية عبر الاتهامات الدولية مسارًا عفويًا في أي تجربة سابقة، بل كان دائمًا خطوة مدروسة ضمن استراتيجية تقويض الدولة.
العقوبات، الحصار، التدخلات غير المباشرة، ثم الفوضى… هكذا تسير الأمور حين يُفتح هذا الباب.
ومن يشارك في هذا المسار، عن قصد أو بدافع الخصومة السياسية، يتحمل مسؤولية تاريخية عن النتائج، لأن الشعوب هي من تدفع الثمن، لا النخب التي تُغادر المشهد عند أول اختبار حقيقي.
*خاتمة: المعارضة حق… والطعن في الجيش جريمة سيادية*
لا جدال في أن المعارضة حق أصيل، والنقد ضرورة، والمساءلة ركيزة من ركائز الحكم الرشيد. لكن الطعن في الجيش الوطني ليس معارضة، بل تقويض للسيادة.
فحين يُنقل الصراع السياسي إلى الخارج، وتُستهدف المؤسسة العسكرية في المحافل الدولية، يصبح الوطن هو الخاسر الأكبر، مهما كانت النوايا أو الشعارات.
وستبقى الشعوب التي تحميها قيمها ووعيها الوطني قادرة على التمييز بين النقد المشروع والخيانة المقنّعة،


