مقالات

معسكرات خلف الحدود: من يُطيل أمد الحرب في السودان؟

راشد همت 

ليست كل الحروب تُدار من داخل الجبهات، ولا كل البنادق تُصنع في أرض المعركة.

في عالم الصراعات الحديثة، قد تكون الجبهات الحقيقية بعيدة عن خطوط النار، خلف حدودٍ مفتوحة، أو في معسكرات تدريب لا تظهر على الخرائط الرسمية.

السودان اليوم يعيش واحدة من أكثر أزماته تعقيدًا، حربٌ لم يشعلها الشعب، ولم يكن مستفيدًا منها، لكنه يدفع ثمنها دمًا ونزوحًا ودمارًا وانهيارًا اقتصاديًا. وفي خضم هذا المشهد المأساوي، أعاد تقرير وكالة رويترز طرح سؤال ثقيل لا يمكن تجاهله:

هل تُدار بعض خيوط هذه الحرب من خارج الحدود؟

 *أولاً: تقرير رويترز… تفاصيل تتجاوز السجال السياسي*

المعطيات التي أوردتها الوكالة لم تكن عبارات عامة، بل نقاطًا محددة ذات طابع ميداني، من بينها:

قناعة عدد من المشرعين الأمريكيين بوجود تسليح إماراتي لقوات الدعم السريع.

تمويل إنشاء معسكر تدريب داخل الأراضي الإثيوبية.

تقديم مدربين عسكريين وخبراء تشغيل.

دعم لوجستي متكامل يشمل تجهيزات متقدمة.

وجود مركز تحكم بالطائرات المسيّرة داخل المعسكر.

تدريب نحو 4300 مقاتل.

شاحنات تحمل شعار شركة إماراتية تتردد على الموقع.

تمويل تجديد مطار قريب من الحدود السودانية لاستخدامه كنقطة إمداد.

إن صحّت هذه الوقائع، فنحن أمام بنية دعم منظمة تتجاوز المواقف السياسية إلى إعادة تشكيل ميزان القوة داخل السودان.

وإن لم تصح، فإن حسمها يتطلب شفافية قاطعة لا بيانات عابرة.

الاتهام حين يُترك دون معالجة واضحة، يتحول إلى أزمة ثقة إقليمية طويلة الأمد.

ثانياً: الشفافية هي الطريق الأقصر

 *إذا كان التقرير غير دقيق أو غير صحيح، فالمسار المنطقي بسيط:*

✅نفي رسمي مباشر وواضح لا يحتمل التأويل.

✅فتح تحقيق معلن يُدار بشفافية كاملة.

السماح برقابة أو تقصٍ دولي مستقل يضع حدًا للجدل.

▪️أما الاكتفاء بالرسائل السياسية أو الردود الدبلوماسية العامة، فلا يُغلق الملف، بل يوسّع دائرة الأسئلة.

الدول الواثقة من براءتها لا تخشى التحقيق.

والغموض في القضايا ذات الطابع العسكري لا يخدم الاستقرار.

 *ثالثاً: مفتاح الأزمة… عند المعابر لا عند الضحايا*

من الخطأ اختزال الأزمة داخل الجغرافيا السودانية وحدها.

الحروب التي تُغذّى من الخارج لا تُطفأ من الداخل فقط.

المفتاح ليس في الخرطوم،

ولا في المدن التي تتلقى النيران،

بل عند من يملك الحدود والمعابر والمطارات التي يُقال إن الأنشطة تجري عبرها.

من يسيطر على الأرض التي تنطلق منها الإمدادات، *يملك القدرة على:*

✔️إغلاق المعسكرات.

✔️وقف التدريب.

✔️منع تدفق السلاح.

إثبات التزامه العملي بالاستقرار الإقليمي.

لا يمكن الحديث عن السلام بينما تبقى الممرات مفتوحة.

ولا يمكن الدعوة إلى إنهاء الحرب إذا كانت أدوات استمرارها تتحرك عبر أراضٍ معلومة.

 *رابعاً: بين حسابات النفوذ ومخاطر تفكيك الدولة* …السودان ليس هامشًا في الخريطة الجيوسياسية.

هو ضلع أساسي في معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ويمثل عمقًا استراتيجيًا بالغ الحساسية.

وأي محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخله ترتبط بحسابات نفوذ أوسع.

لكن التجارب الإقليمية تؤكد حقيقة واحدة:

دعم قوى موازية للمؤسسات الوطنية لا ينتج استقرارًا مستدامًا، بل يخلق هشاشة ممتدة.

تفكيك الدولة قد يمنح مكاسب قصيرة المدى، لكنه يفتح أبواب فوضى يصعب احتواؤها، وتمتد آثارها خارج الحدود.

الفوضى لا تبقى محلية.

 *خامساً: السلام التزام عملي لا خطاب سياسي* ..من يتحدث عن السلام يجب أن يثبت ذلك عمليًا.

السلام لا يُقاس بعدد البيانات، بل بعدد شحنات السلاح التي لم تصل.

ولا بعدد المؤتمرات، بل بعدد المعسكرات التي أُغلقت.

توزيع النصائح على الآخرين، بينما تُطرح أسئلة حول الدور الذاتي، لا يعزز الثقة، بل يعمّق الشكوك.

إن إنهاء الحرب لا يبدأ بتبادل الاتهامات، بل بإغلاق كل ملاذ يُستخدم لتغذيتها.

 *خاتمة: سؤال المصداقية قبل سؤال النوايا*

القضية اليوم ليست خصومة إعلامية، ولا مجرد خلاف سياسي، بل مسألة سيادة وطن وامتحان مسؤولية إقليمية.

إذا كانت الاتهامات باطلة، فالحسم الشفاف هو الطريق الأقصر لإغلاقها.

وإذا كان هناك التباس، فالتحقيق العلني هو السبيل الوحيد لتبديده.

السودان لا يحتاج إلى مزيد من البنادق خلف حدوده،

بل إلى إرادة حقيقية تُغلّب استقرار الدولة على حسابات النفوذ.

ويبقى السؤال الذي سيحكم عليه التاريخ:

من أغلق الممرات؟

ومن أوقف الإمداد؟

ومن اختار أن يكون جزءًا من إنهاء الحرب… لا استمرارها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى