
توقيت الإعلان للمجلس التشريعي في السودان إختلف الناس حوله وقد برزت عدة تساؤلات حول الأولويات لا حول المبدأ لأن السودان يعيش واحدة من أعقد مراحله (حرب، نزوح، انهيار الخدمات واستنزاف لموارد الدولة والمجتمع) في مثل هذه الظروف تكون الأولوية القصوى هي بقاء الدولة وتماسكها لا إستكمال هياكلها الدستورية وكأن البلاد تعيش حالة استقرار سياسي وأمني طبيعي
فالمجالس التشريعية تُبنى على قاعدة التمثيل الواسع والتوافق المجتمعي والمشاركة السياسية فكيف يمكن الحديث عن تمثيل عادل بينما ملايين المواطنين نازحون وأحزاب معطلة وحياة سياسية مشلولة أي مجلس يُعلن في هذه البيئة سيكون منقوص الشرعية ومحدود القبول
الأخطر من ذلك كله أن التوقيت الحالي لا يحتمل فتح جبهات سياسية جديدة فإن إعلان مجلس تشريعي الآن قد يعيد إنتاج الاستقطاب، ويفتح باباً للصراع حول المقاعد والنفوذ في وقت تحتاج فيه البلاد إلى وحدة الصف وتحييد الخلافات فالدولة التي تقاتل من أجل وجودها لا تحتمل ترف الجدل السياسي الداخلي
بعض المستثمرين السياسيين يسعون لإعادة المحاصصات السياسية قبل بناء التوافق وطني الحقيقي حول شكل المرحلة المقبلة وبمشاركة واسعة لفئة منتقاه وأصحاب حظَوة لم يظهر لهم مواقف وطنية خلال حرب الكرامة
فالمجلس التشريعي استحقاق لا غنى عنه في أي دولة تسعى للاستقرار لكن التوقيت الخاطئ قد يُفرغ الفكرة من مضمونها ويحوّلها من خطوة بناء إلى عبء سياسي إضافي
فتعتقد فئة أخري بجدوي التشكيل ووضعو لها محددات وإطار كإختيار الكفاءآت ومراعاة التمثيل النسبي للولايات والقطاعات الحية ومنظمات المجتمع المدني وأن تكون المقاومة الشعبية هي المرجعية المجتمعية لتشكيل اعضاء البرلمان وهذا يتطلب تعظيم دور المقاومة الشعبية كفاعلة في القتال والإسناد العسكري مع رعاية وتبني مفاهيم البناء والوعي الوطني للإسهام في تشكيل المستقبل السياسي في السودان.
أيضا لابد أن يتم تحديد زمن وأجل البرلمان بأن لايكون مفتوحا وأن يتم تحديد المسئوليات والقضايا في إطار تحسين البيئة الخدمية والترتيب للإنتخابات وعدم مناقشة القضايا الجوهرية كنظم حكم البلاد أو إقرار الإتفاقيات الخارجية المصيرية لأنها تخص البرلمان المنتخب
وأن يقتصر دوره على الرقابة والمساءلة أكثر من أدوار التشريع التي تحتاج تفويضاً انتخابياً لا يحظى به ومحاربة الفساد ورعاية المصالحة الوطنية الشاملة وقضايا الانتقال من إجازة دستور انتقالي وقانون للانتخابات وقانون الأحزاب وأن يكون محدودا لعدم الكلفة السياسية والاقتصادية
ولاشك أن تفضيل مكونات سياسية محدودة لهندسة وإخراج ترشيح البرلمان سيورث صراعا سياسيا يزيد من شقة التعافي الوطني وعدم الإعتبار بمعركة الكرامة في ظل تفاقمها وفتح جبهات جديدة كالنيل الازرق
يعلم الجميع بأن معركة الكرامة أفرزت وعياً سياسياً متقدماً وإرادة جامحة، ورغبة عالية في المشاركة السياسية بين السودانيين لإدراكهم العميق لأهمية السياسة والدولة في حياتهم. وإزاء هذا الوعي تصبح كل محاولة للهيمنة والسيطرة والانفراد بالسلطة التشريعية ضرباً من الصراع السياسي المرفوض من معظم الشعب السوداني
وأعتقد أن هذه الخطوة قد تعجل بمحو زاكرة حرب الكرامة قبل الشروع في إعتباراتها لوطن يستشرف مرحلة بناء وإعمار



