مقالات

أنوار البيان في تدبر القرآن الحلقة رقم (3)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور

يقول الحق تبارك وتعالى:

 بسم الله الرحمن الرحيم :

﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾

[سورةمحمد: 24].

إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها.

 وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد ..

نواصل التدبر في آيات القرآن الكريم ونقف في هذه الحلقة أمام عبقرية ذا القرنين في إدارة شؤون الدولة وصيانة أمن المجتمعات لنستلهم منها أعظم نموذج تاريخي في إدارة الأزمات وتحقيق الإستقرار الحضاري

 حيثةالإنتقال بمفهوم الأمن من مجرد “شعور” إلى “صناعة” تتطلب العلم، والمادة، والقدوة والإرادة الساعية في إصلاح الأرض عند التمكين .

أولاً: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم

{وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)}

[سورة الكهف]

{قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95)}

[سورة الكهف]

{آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)}

[سورة الكهف]

ثانياً: المتن المسنود بأقوال العلماء:

من هو ذو القرنين وماهي هويته:

إختلف المفسرون حول هوية ذا القرنين، وقد رجح إبن كثير والطبري أنه كان ملكاً صالحاً وليس نبياً، والراجح أنه ليس “الإسكندر المقدوني” اليوناني، بل هو ملك عاصر إبراهيم الخليل عليه السلام. سُمي بـ “ذي القرنين” لأنه ملك الشرق والغرب (قرني الشمس)، أو لشجاعته وشدة بأسه.

أما منطقة تواجده يرى كثير من المؤرخين والمفسرين أن رحلته كانت نحو مشرق الأرض ومغربها، وأن السد يقع في منطقة جبال القوقاز (بين البحر الأسود وبحر قزوين)، حيث الفجوات الجبلية التي كان يتسلل منها المفسدون.

مفهوم الأمن الجنائي :

الأمن الجنائي هو حماية المجتمع من الجرائم التي تستهدف الأنفس وكريم المعتقدات والأعراض والأموال، ومنع وقوع الفساد قبل حدوثه والحد من الجرائم العابرة للحدود.

طبيعة فساد يأجوج ومأجوج:

وصف القرآن يأجوج ومأجوج بـ “مفسدون في الأرض”، وهو فساد يشمل القتل، النهب، وتدمير مقومات الحياة (الفساد الكلي). هذا النوع من الإجرام العابر للحدود تطلب “حلماً سياسياً” و”قوة ردع مادية”.

محددات ومطلوبات تحقيق الأمن:

 1. فلسفة “الخَرْج” (المقابل المالي)

هنا نلمح إستبصاراً سياسياً وإجتماعياً عميقاً في الحوار بين الرعية والقائد:

كفاية القائم على الأمن (الخراج):

عرض القوم على ذي القرنين “خَرْجاً” (ضريبة أو أجراً). وبنفاذ البصيرة ندرك أن إستدامة الأمن تتطلب أن يكون المسؤول عن صيانة أمن الناس مكتفياً مادياً فالعمل الطوعي في الأمن العام “غير مرغوب فيه” كقاعدة مستمرة، لأن القائم على الأمن إذا إفتقر طمع في أيدي الناس من أموال، وإذا إستغنى تفرغ لمهمته بكفاءة ونزاهة.

رد ذي القرنين: ب {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ}؛ هو لم يرفض مبدأ “الكفاية”، بل أخبرهم أن تمكين الله له أغناه عن أموالهم، وهذا يضع مواصفات “رجل الأمن”، أن يكون عفيف النفس، عزيزاً، غير طامع في ما بأيدي الناس.

2. فلسفة “الإعانة”الأمن مسؤولية الجميع:

رفض ذو القرنين أن يبني السد وحده “بعقد مقاولة”، بل قال: {أَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}.

وهنا ندرك أن الأمن لا يتحقق بجهاز معزول، بل بمشاركة المجتمع، و”أعينوني” تعني أن على الشعب أن يقدم المعلومات، والجهد، والوعي، ليكونوا جزءاً من منظومة حماية أنفسهم

 على الرغم وجود الأجهزة المتخصصة، يبقى جوهر {أَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} قائماً (المسؤولية التضامنية) فالأمن اليوم يحتاج إلى وعي المواطن وشراكته بالإبلاغ والإلتزام بمسؤولياته والإطلاع بها على أتم وجه ليكون المجتمع ذاته هو “النحاس المذاب” الذي يسد ثغرات الحديد.

3. تحقيق الردع النفسي لمنع الجريمة :

السد لم يكن سوراً طينياً، بل كان “ردماً” بمواصفات إعجازية في ذلك الزمان خامته: (زُبر الحديد) لضمان الصلابة، و(القِطْر – النحاس المذاب) ليسد المسامات ويمنع الصدأ وقد بني بمواصفات تمنع الجريمة وتقي منها: {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ} (المنع من التسلل الفوقي) النحاس جعل سطح السد أملسا زلجا لا تستقر عليه الأقدام {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} (المنع من الإختراق التحتي).

فهذا هو “الأمن الوقائي” في أجلِ صوره حيث تغلق التدابير الاحترازية كل الثغرات أمام المجرمين وتحول دون إتمام جرائمهم

وعن تحقيق الردع النفسي: يقول الشعراوي: “السد لم يحجز الأجساد فقط، بل كسر إرادة العدوان في نفوس يأجوج ومأجوج، فالأمن الحقيقي هو أن ييأس المجرم من القدرة على إختراق القانون”.

4. دور ومسؤولية الحاكم في شخذ همة الرعية:

يرى الإمام القرطبي: أن في الآية دليلاً على أن الملك يجب عليه حماية رعيته بسد الثغور، وإذا عجز بيت المال عن تحمل النفقة، فعلى الرعية المعاونة بالمال والبدن وعلى الحاكم شخذ الهمم وإستثارة وحفز روح التعاون بين الرعية .

5. الأخذ بالعلوم وتسخير الإمكانات :

يقول ابن كثير في هذه النقطة: أن ذا القرنين إستخدم أحدث علوم عصره (الحديد والنحاس) لتحقيق الأمن، وهذا يعلمنا أن الأمن الجنائي يحتاج لـ “التكنولوجيا” ومواكبة العلم، لا النوايا الطيبة فحسب.

6. تخصيص المنح والعطايا والرواتب:

إستدل بعض الفقهاء من هذه القصة على وجوب وضرورة تخصيص رواتب كافية للقضاة ورجال الأمن لضمان نزاهتهم (سد ذريعة الرشوة).

7. الإرادة الماضية والعفة مع بذل الوسع :

يتناول الشيخ الشعراوي الأسباب والتمكين

حيث يقول: “الله قال (وآتيناه من كل شيء سبباً)، لكنه لم يقل (فَمُكِّنَ له)، بل قال (فأتبع سبباً). هذا يعلمنا أن الأمن لا ينزل بالدعاء فقط، بل بالضرب في الأرض، وبناء المصانع، وإحكام التخطيط”.

وعن عفة الحاكم والمحكوم: يعلق الشعراوي: “حين عرضوا عليه المال، أرادوا أن يكون هو (الأجير) وهم (المتفرجون). فقلب المعادلة: (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ليعلمهم أن القائد الحقيقي هو من يصنع من شعبه قوةً، لا من يجعلهم كسالى يعتمدون على غيرهم”.

مواصفات رجل الأمن: يرى الشعراوي في شخصية ذي القرنين أنه إجتمعت فيه: العلم (عرف كيف يصهر الحديد)، العدل (جازى المحسن وعاقب المسيء)، والعفة (ترفع عن أموال الناس). وهذه هي الأركان الثلاثة لأي جهاز أمني ناجح.

الربط بين النص والواقع المعاصر:

 تدبر قصة ذي القرنين يقودنا بالضرورة إلى إستدراك واقعي حول “إستدامة الأمن” في ظل إتساع المجتمعات الحديثة وتعدد ثقافاتها. فلم يعد الأمن مجرد “ردم” مادي، بل صار منظومة تتطلب التفرغ والتخصص بوجود “جماعة متفرغة” لهذه المهمة، وهو ما أسسه الخلفاء الراشدون؛ فكان عمر بن الخطاب أول من إستحدث “العسس” لمراقبة الأمن ليلاً، ثم طور علي بن أبي طالب هذا النهج بتنظيم “الشرطة” وجعل لها رئيساً (صاحب الشرطة)، لتتحول من جهد تطوعي إلى مؤسسة مستدامة تحمي الأنفس والأعراض في مجتمعات متشعبة.

خلاصة الوقفات التدبرية:

1. قصة ذي القرنين هي “مانيفستو” الأمن القومي والأمن الجنائي يجب إستلهامها في كل ما يتعلق بإدارة شؤون العباد .

2. الأمن أسبابٌ تُتبع، وعلمٌ يُطبق، وعفةٌ في يد المسؤول، ومشاركةٌ من المجتمع. فإذا وُجد القائد الذي يكتفي بتمكين الله، والرعية التي تعين بقوتها، بُنيت “سدود” الأمان التي لا تُخرق.

3. إستدامة الأمن الجنائي في واقعنا تتطلب كفاية القائمين عليه مادياً (الرواتب المجزية)، لضمان ترفعهم عن أموال الناس والنزاهة في تطبيق القانون وإقامة العدل

4. اخيرا: صون أمن المجتمعات وتحقيق الإستقرار مسؤولية الجميع يقف عليها ويقودها من بيده مقاليد الأمور.

اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد

اللهم بارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد

نواصل غدا بمشيئة الله…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى