أنوار البيان في تدبر القرآن الحلقة رقم (5)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور
يقول الحق تبارك وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}
[سورة محمد: 24].
إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.
نواصل سلسلة حلقاتنا في التدبر في كتاب الله ونتناول في هذه الحلقة “الرزق”. حيث نقف عند هذه النعمة بين السعي في طلبه وثبات اليقين في ماعند الله، حيث نبحر في آيات الرزق التي طمأن الله بها القلوب، لنفهم المراد من المنح والمنع، والإجزال والقدر وكيف أن الله تكفٌل بالرزق لكل دابة في الأرض.
أولاً: آيات الاستدلال من الذكر الحكيم
يقول تعالى:
{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}
[سورة الذاريات: 22-23].
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}
[سورة البقرة: 3].
{لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}
[سورة إبراهيم: 7].
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}
[سورة الروم: 41].
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}
[سورة النحل: 112]
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} [سورة نوح: 10-12].
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}
[سورة الملك: 15].
{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}
[سورة الأنعام: 151].
{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}
[سورةالإسراء: 31].
ثانياً: المتن المسنود بأقوال العلماء
ضمان الرزق وثبات اليقين :
إن أولى عتبات التدبر في الرزق هي اليقين بأن الرزاق قد فرغ من القسمة قبل خلق الخليقة، وأن ما كان لك لن يذهب لغيرك.
وقد صح عن النبي ﷺ: “إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أَنَّه لَنْ تَمُوتَ نَفْسُ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ إسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ إلَّا بِطَاعَتِهِ”.
وفي ذلك يقول الإمام الحسن البصري: “علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأن قلبي”.
وعن هذه الآية يقول الشيخ الشعراوي: “الحق سبحانه جعل الرزق في السماء ليفصل بين (الرزق) و(أسباب الرزق)، فالأسباب في “الأرض” والرزق في “السماء”، حتى لا يظن أحد أن مديره في العمل أو أرضه التي يحرثها هي الرازقة، بل هي مجرد قنوات يمر من خلالها قدر الله”.
شمولية العطاء والفرق بين أرزاق الدنيا والآخرة:
يخطئ من يحصر الرزق في الدراهم والدنانير، فالرزق في المفهوم القرآني مظلة واسعة تشمل كل ما يُنتفع به، فالرزق هو كل ما يسوقه الله إلى المخلوق مما ينفعه فالصحة رزق، والولد الصالح رزق، والعلم رزق، ومحبة الناس رزق، والسكينة التي تُقذف في القلب هي من أعظم الأرزاق.
يقول الإمام علي بن أبي طالب:
أن الرزق نوعان:
“رزق تطلبه، ورزق يطلبك”، فالذي يطلبك هو الذي يأتي بغير كدّ، والذي تطلبه هو الذي لا يأتيك إلا بالسعي.
وعن أسرار شمولية الرزق يقول: العلامة الإمام السعدي وغيره من الفقهاء:
“أن أرزاق الدنيا والبدن يُعطاها البر والفاجر والمؤمن والكافر، وهي أرزاق فانية. أما أرزاق “القلوب والعلم”، “والآخرة ونعيم الجنان”، فلا يمنحها الله إلا لمن أحب من عباده الذين أنعم عليهم بفضله”.
ومن خواطر الشعراوي عن الرزق أن:
“المال هو أقل أنواع الرزق، واليقين هو أعلاها. انظر إلى الصبي الصغير، رزقه في ثدي أمه، لم يكن يملك مالاً لكن الله ساق له الرزق حليباً طازجاً، فإذا كبر وظن أن رزقه في جيبه فقد نقص يقينه”.
إستنزال الرزق بالشكر والحمد:
شكر النعم هو قيد النعم الموجودة وصيد النعم المفقودة ،الشكر ليس مجرد كلمة تقال باللسان، بل هو إعتراف بالفضل يثبت الموجود ويجذب المفقود.
يقول الخليفة عمر بن عبد العزيز: “قيدوا نعم الله بالشكر”، فالشكر هو “القيد” الذي يمنع النعمة من الزوال، وهو “الصيد” الذي يستجلب النعم الغائبة.
يشير الدكتور محمد راتب النابلسي إلى أن قانون الزيادة مربوط بالشكر {لئن شكرتم لأزيدنكم}، فإذا توقفت الزيادة فابحث عن الخلل في الشكر.
يرى الشيخ الشعراوي: أن الشكر مأخوذ من “دابة شكور” أي يظهر أثر الأكل عليها بجهد قليل، فكذلك العبد الشكور يظهر أثر نعمة الله عليه في سلوكه وطاعته، فيزيده الله من فضله.
حُجب الرزق وموانعه (شؤم المعصية وكفران النعم):
كما أن للرزق مفاتيح، فإن له مغاليق وحجباً تمنع وصول البركة أو ترفع أصل الرزق بسبب كسب العبد، كما قال النبي ﷺ:
“إنَّ الرَّجلَ ليُحرَمُ الرِّزقَ بالذَّنبِ يُصيبُه”.
يرى ابن القيم: أن المعاصي تمحق بركة الرزق، وإن كثر في العدد فإنه يقل في النفع، فالمعصية تزرع الوحشة بين العبد وربه، فكيف يُفتح له باب الرزق وهو معرض عن الرازق؟
أما الإمام الزمخشري: فقد أشار إلى أن كفران النعم وتفشي الظلم هما أعظم أسباب المحق.
ومن لطائف الشيخ الشعراوي في هذا الباب: “إن الذنب ليس مجرد خطيئة، بل هو خلل في صلة العبد بربه، فإذا إنقطعت الصلة إنحبست البركة. الذنب يجعل العبد يلهث وراء الأسباب ولا يصل، لأن الله حجب عنه التوفيق، فالتوفيق هو روح الرزق”.
ماهية الكفر بأنعم الله:
يوضح الإمام ابن كثير أن الكفر بالأنعم ليس بالضرورة جحوداً لوجود الله، بل هو “صرف النعم في غير ما خُلقت له”، والإعراض عن شكر المنعم بالطاعة، واستخدام رزقه في معصيته. فكل نعمة لا تقرب من الله فهي نقمة مستترة.
وعن الكفر بأنعم الله يشير عدد من المفسرين منهم “الطبري والبغوي” إلى أن هذا المثل ينطبق حالاً ومآلاً على “أهل سبأ”؛ حيث كانوا في جناتٍ وعيون ورزقٍ مغدق، فلما أعرضوا عن الشكر وبطروا النعمة، سلب الله عنهم الأمن والرزق، وأبدلهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل، وسلط عليهم سيل العرم؛ ليعلم العالم أن الرزق “مؤيد بالشكر، مسلوب بالكفر”.
وعن دقة التعبير القرآني في قوله تعالى(لباس الجوع والخوف):
يرى الإمام الزمخشري في “الكشاف” أن الله سماه (لباساً) لأن الجوع والخوف أحاط بهم وغشيهم حتى صار كالثوب الملاصق لأجسادهم، وهذا تصوير بليغ لهلاك الرزق وإنعدام الأمن بعد توفرهما.
سلب النعم عقوبة يشمل الجميع:
يورد الإمام القرطبي لفتة خطيرة في تفسيره؛ وهي أن العقاب بسلب النعم وإذاقة الجوع قد يشمل الصالحين مع الطالحين إذا سكتوا عن المنكر ولم يشكروا النعمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذلك إستناداً لقوله ﷺ:
“إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده”. فسكوت العقلاء عن بطر النعمة هو نوع من الرضا به، فيذوق الجميع “لباس الجوع” وإن تفاوتت الدرجات عند الله في الآخرة.
ومن لطائف الشيخ الشعراوي: “الحق سبحانه قدم (الأمن) على (الرزق) في [الآية: 122] من سورة النحل لأن الإنسان لا يهنأ بلقمته وهو خائف، فإذا كفرت القرية بأنعم الله، سلب الله منها الرزق (الجوع) وسلب منها السكينة (الخوف). فالكفر بالنعمة هو (المقص) الذي يقطع حبل الإمداد الإلهي بالرفاهية”.
مفاتيح الرزق وأثر البركة :
الرزق ليس برقم حسابه، بل ببركته التي تجعل القليل كافياً ومما يجعل البركة في الرزق
1. أعمال البر:
ورد في الحديث الصحيح: “من أحبَّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه”. فـ (البركة) هي جند الله الخفي؛ إذا حلت في القليل كثرته، وإذا حلت في الكثير نفعته.
العلامة ابن عثيمين: يوضح أن البركة تعني ثبوت الخير الإلهي في الشيء، فكم من صاحب دخل يسير بارك الله له في ماله وصحته، وكم من صاحب ملايين مُحق خيرها بسبب البعد عن الله.
2. الإستغفار:
يتضح من الآيات [10_12 ] من سورة نوح أن : الإستغفار هو “مغناطيس” الأرزاق المادية والمعنوية، فهو يطهر القنوات التي يمر من خلالها الرزق.
السعي في طلب الرزق(المشي لا الهرولة):
رغما عن ضمان الرزق، فقد أمر الله بالسعي، ولكن بآداب نفسية تمنع الهلع والإتكال على غير الله، إذ أن الله أمر بالسعي (فامشوا) ولم يقل (فأسرعوا)، لأن الرزق سيأتيك بقدر الله.
وللشعراوي تأملات في قوله تعالى {ذَلُولًا}، حيث يقول: “العلاقة بين الساعي والأرض هي علاقة تمكين، لكنه ختم الآية بـ {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} ليذكرك أن جمع الرزق وسيلة لغاية كبرى وهي لقاء الله”.
ترتيب الأفواه في الرزق :
يفرق المفسرون بين قوله {نَرْزُقُكُمْ} في سورة “الأنعام” إذ الفقر هنا واقع بالفعل (من إملاق)، فبدأ برزق الآباء {نَرْزُقُكُمْ} ليطمئنهم أن رزقهم باقٍ ولن ينقص.
أما في سورة “الإسراء” فالفقر متوقع مستقبلاً (خشية إملاق)، فبدأ برزق الأبناء {نَرْزُقُهُمْ} ليؤكد أنهم يأتون ومعهم رزقهم الخاص.
للشعراوي بيان لطيف في الفرق بين {نَرْزُقُكُمْ}و {نَرْزُقُهُمْ} حيث يقول “انظر إلى إعجاز الحرف ففي الفقر الحاضر سورة (الأنعام) الآباء هم المهمومون بلقمتهم الآن، فقال (نرزقكم) أولاً. وفي الفقر المستقبلي سورة (الإسراء) الخوف كان من القادم الجديد، فقال (نرزقهم) أولاً ليقول للآباء: لا تظنوا أنكم ترزقون أولادكم، بل نحن نرزقهم، وقد نرزقكم أنتم ببركتهم!”.
ثالثاً: خلاصة الوقفات التدبرية
• الرزق أوسع من المال:
التدبر يجعلك تلتفت لنعم الصحة والستر والسكينة كأرزاق عظمى، وتدرك أن رزق الآخرة هو العطاء الحقيقي للمحبوبين.
• المعصية حجاب والشكر قيد:
تذكر أن الذنب قد يكون السد الذي يمنع وصول بركة الرزق إليك، وأن الشكر هو الحارس الذي يحفظ نعمك من الزوال ويزيدها.
• البركة هي المعيار:
ليست العبرة بكثرة الرقم، بل بحلول البركة في القليل ليصبح كثيراً كافياً، وبالاستغفار وصلة الرحم، وأعمال البر تحل البركة.
• السكينة في الضمان:
قوله تعالى:”نرزقكم” و”نرزقهم” تنهي صراع الخوف من المستقبل وتؤكد كفالة الله لكل فم يُخلق.
• أخيرا: الرزق عقدٌ وثيق، فسرك في يقينك، وكسبك في سعيك، وبركتك في تقواك وشكرك.
اللهم إني أسألك عيشة هنية وميتة سوية، ومردا غير مخزِ ولا فاضح
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
نواصل غدا بمشيئة الله…


