أنوار البيان في تدبر القرآن – الحلقة رقم (7)
جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور

يقول الحق تبارك وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم :
﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾
[سورة محمد: 24].
إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.
نتوقف قليلاً عن السير في تناول السنن الإلهية ونبدأ في تناول سحر البيان القرآني؛ وذلك بهدف التنويع في موضوعات الحلقات. في القرآن الكريم، لا توجد كلمة توضع مكان أخرى عبثاً، فكل حرف يوُضع بقدر مذهل، وما يظنه الناظر “مترادفات” لغوية أحيانآ، هو في حقيقته يحمل فروق بيانية دقيقة.
وفي سياق اللفظ القرآني نقف في هذه الحلقة عند الفرق بين (المرأة ،الزوج والصاحبة).
أولاً: آيات الاستدلال من الذكر الحكيم:
﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ﴾
[سورة التحريم: 10]
﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾
[سورة التحريم: 11]
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ﴾
[سورة يوسف: 30]
﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا﴾
[سورة آل عمران: 35]
﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾
[سورة المسد: 4]
﴿وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا﴾
[سورة مريم: 8]
﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ﴾
[سورة الأنبياء: 90]
﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا﴾
[سورة الروم: 21]
﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٌ﴾ [سورة الأنعام: 101]
﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ﴾
[سورة عبس: 34-36]
ثانياً: المتن المسنود بأقوال العلماء:
توطئة لغوية وبيانية:
في لغة العرب، لا يُسمى الفرد “زوجاً” إلا إذا كان له قرينٌ يماثله؛ فالواحد (فرد)، والإثنان المتماثلان “زوج”. ومن هنا تبرز دقة التعبير القرآني فالأنثى تكون “إمرأة” بالنظر إلى جنسها وذاتها، وتكون “زوجاً” بالنظر إلى “المشاكلة” والتوافق مع الرجل. فإذا فُقدت المشاكلة في المنهج أو الهدف، سقط لفظ “الزوج” وبقي لفظ “المرأة”.
يوضح الزمخشري في “الكشاف” والراغب الأصفهاني أن “الزوج” يُقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى، وسُميا بذلك لـ “المشاكلة”
(المشاكلة في اللغة والبيان تعني: «المماثلة التامة والإتحاد في الصفات أو الغايات بين شيئين، بحيث يصير أحدهما مِرآةً لقرينه ومُتمِماً له، وفي سياق الزوجية القرآني، هي «التوافق والإنسجام بين الطرفين في المنهج (الإيمان) والوظيفة (الإنجاب) والروح (السكن) والإتحاد في الغرض.
1. لفظ (امرأة) عند غياب “المشاكلة” في المنهج والمعتقد :
لذا في آية سورة التحريم، لما كانت امرأة نوح كافرة وزوجها نبي، إنعدمت المشاكلة الإيمانية، فاستخدم القرآن لفظ (امرأة) ليدل على أنها مجرد “مشاركة في السكن” وليست شريكة في الروح والهدف. وكذلك إمراة لوط وهو نبي إنعدمت بينهما المشاكلة الإيمانية، فاستخدم القرآن لفظ (امرأة) ليدل على أنها مجرد “مشاركة في السكن” وليست شريكة في الروح والمعتقد ،فالأنبياء أرواحهم طاهرة ومعتقدهم مبرأ من الشرك.
يتجلى إنعدام المشاكلة في أوضح صوره في حالة (إمرأة فرعون) وقد قال الحق على لسانها :{ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. وهذا قمة الرجاء في ما عند الله، والتسليم لأمره. أما فرعون الذي قال القرآن على لسانه {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } فهو في قمة الإستغناء والعلو، ومع هذه التضاد بينهما إنعدمت المشاكلة لإيمانها وكفره.
أن الزوج هو مرآة لزوجه، فإذا إنعدمت المشاكلة في أعظم أمر وهو التوحيد والإيمان، إنفرط عقد الزوجية في ميزان السماء، وبقيت (إمرأة) غريبة عنه في المنهج.
2. إنعدام “المشاكلة” بسبب وظيفي:
أيضا يمكن أن تنتفي المشاكلة لشبب وظيفي “العقم” حيث يقول العلماء في تفسير قوله تعالى “وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا” في سورة مريم هو إخبار من النبي زكريا -عليه السلام- بأن زوجته كانت لا تلد (عقيماً) طوال عمرها من شبابها حتى شيبها، ولم يكن العقم ناتجاً عن كبر السن فحسب، بل هو عقم أصلي، لذلك عندما طلب سيدنا زكريا الذرية إستخدم القرآن الكريم لفظ “إمرأتي”، وعندما إستجاب الله تعالى دعوته وأصلح له إمرأته إتى بلفظ “زوجه” بعد إزالة مانع المشاكلة بقوله تعالى:{وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} إشارة إلى أن الله أصلح ما كان يمنع المشاكلة الوظيفية “العقم” فلما صارت مهيأة للإنجاب وموافقة لطلب زكريا، سماها القرآن (زوجاً) لتحقق المشاكلة في الثمر والذرية.
3. لفظ إمرأة عند إنعدام “المشاكلة” العاطفية:
(امرأة العزيز) كانت على دين عزيز مصر ولم يرد إنها كانت عاقر ،فإنعدام المشاكلة لم بسبب إختلاف المعتقد أو لتخلف دورها الوظيفي ولكنه كان بسبب الخيانة الزوجية وتحول العاطفة والرغبة لرجل آخر {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ}.
4. عدم إكتمال “المشاكلة” في الوظيفية الهدف من الإنجاب:
في الآيات التي إستعرضناها بعالية نلحظ أن إنعدام “المشاكلة” بسبب إختلاف المعتقد وتخلف الوظيفة قد يكون واضحا ولكن قد يلتبس الأمر قليلا في حالة إمرأة عمران، فلماذا قال القرآن (إمرأة عمران) ولم يقل زوجه؟
يذهب المفسرون ومنهم الإمام القرطبي وابن كثير إلى أن “عمران” المذكور هو (عمران بن ماثان) والد مريم عليها السلام، وكان رجلاً صالحاً بل نُسبت له النبوة في زمانه. والسر في التعبير بـ (إمرأة) جاء في سياق “نذر لخدمة بيت المقدس،{رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فالمرأة حين نذرت ما في بطنها كانت تنظر إلى جهة الولد والخدمة لا إلى جهة السكن والمشاكلة الزوجية،{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ}، كما أن المشاكلة الوظيفية (الإنجاب) لم تكن قد إكتملت بنوع المولود الذي أرادته وهو الذكر “للخدمة”، فقيل إن لفظ (امرأة) إستخدم هنا للتجريد عند إستحضار الصفة الفردية في نوع المولود ليوافق العبادة والنذر.
5. إنعدام المشاكلة عند الزيادة في السوء والشر:
أيضاً قد يقول قائل: لماذا قال القرآن في إمرأة أبي لهب (وامرأته حمالة الحطب) ولم يقل زوجه وهي تشاكله في المعتقد ولم يثبت تخلف دورها الوظيفي في الانجاب؟
الجواب: مع أنها شاركته في الكفر، لكنها كانت (زيادة) عليه في القبح والشر والمشاكلة تقتضي التساوي والإنسجام في الدرجة، فسميت امرأته لأنها كانت عوناً على الإيذاء وليست سكناً يهدأ إليها كحال الزوجة .
إستخدام لفظ “الصاحبة” :
1. في تنزيه الحق عزوجل:
يذكر العلماء أن الله نزه نفسه عن “الصاحبة” لأن الزوجية تقتضي “المشاكلة” أي المماثلة والندية في النوع ولما كان الله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، إستحال أن يكون له (زوج)، فنفى حتى أدنى مراتب الإتصال وهي (الصحبة).
يقول الشيخ الشعراوي في تنزيه الحق عزوجل عن الصاحبة: “أن الحق لم يقل (لم يكن له زوجه) بل قال (صاحبة)، لأن الزوجية تعني المشاكلة والمجانسة، والله لا جنس له يشاكله، فنفى الصاحبة لأنها تُتخذ للمؤانسة والمقاربة، فمن تنزه عن المصاحبة فهو عن الزوجية والولد أنزه”.
2. في يوم القيامة والموقف العظيم:
للشيخ الشعراوي ملاحظة دقيقة ولطيفة في إستخدام لفظ “صاحبة” في يوم القيامة مع أنها قد تكون زوجة في الدنيا بتوفر كافة عناصر المشاكلة، حيث يقول:
“في الآخرة تنعدم المشاكلة بين الناس، فكل امرئ بما كسب رهين، وتنقطع الروابط الروحية والوظيفية. لذا قال (وصاحبته)؛ لأنها في ذلك اليوم لم تعد (زوجه) التي تشاكله وتسكن إليه، بل صارت (صاحبة) قديمة يفر منها لينجو بنفسه، فلفظ (صاحبة) هنا يدل على إنفصام عروة المشاكلة”.
خلاصة الوقفات التدبرية :
• القرآن الكريم يعلمنا أن “الزوجية” هي أسمى مراتب المشاكلة بين البشر؛ مشاكلة في الروح، والمنهج، والجسد. فإذا غابت المشاكلة، صرنا أمام (امرأة) أو (صاحبة)، فسبحان من ضبط بكلماته موازين القلوب والبيوت.
• الزوجية في القرآن تقوم على “المشاكلة” في الإيمان والوظيفة فالحق قال (من أنفسكم أزواجاً) وهي مرآة للزوج.
• في تدبر الآيات التي إستعرضناها بشأن: (المرأة، الزوج، الصاحبة) تبرز أهمية وقدسية “الميثاق الغليظ” في حماية هذا السكن، فالزواج في القرآن قائمٌ على (التأبيد، الإشهار، والمشاكلة). ومن هنا ندرك سر كراهية وتحريم المسالك التي تفرغ الزواج من مقاصده مثل: زواج المتعة والمسيار والعرفي وغيرها: هذه الأنواع تفتقد لروح الزوجية الحقة؛ فالمتعة (تأقيت) ينفي المشاكلة الدائمة، والعرفي سرية تنفي الإحصان، والمسيار تنازل يخدش السكن، وكلها تُبقي المرأة في مقام (الصاحبة) المستهلكة مؤقتاً، ولا ترفعها لمقام الزوج الـمُكرّمة.
ملاحظة أخيرة: في العامية السودانية، تبرز لفظة الصاحبة لتصف الخليلة أو العشيقة خارج الرباط الشرعي، وتشير هذه اللفظة في مدلولاتها إلى قمة الإنفصال والإنفصام فهي “صاحبة” بلا عهد، و”خدينة” بلا سكن، فقط علاقة تقوم على “المخاتلة” بينما الزواج يقوم على المشاكلة والإستمرارية والسكينة والمودة والرحمة.
اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر.
اللهم صل صلاة دائمة وسلاما تاما على سيدنا محمد ﷺ
نواصل غدا بمشيئة الله تعالى …


