
يقول الحق تبارك وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾
[سورة محمد: 24]
إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد. وفي هذه الحلقة، نبحر في محيط “الزمن”؛ ذلك اللغز الذي حير العقول، لنكتشف كيف أن الوقت في حياة البشر قيدٌ وحركة، بينما هو عند الله إرادةٌ ومشيئة، يطويه كيف يشاء، ويبسطه لمن يشاء، ليعلمنا أننا نعيش في حضرة “القيوم” الذي لا يجري عليه زمان ولا يحويه مكان.
أولاً: آيات الاستدلال من الذكر الحكيم:
﴿وَإِنَّ یَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [سورة الحج: 47]
﴿تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَیۡهِ فِی یَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِینَ أَلۡفَ سَنَةٖ﴾ [المعارج: 4]
﴿وَلَبِثُوا۟ فِی كَهۡفِهِمۡ ثَلَـٰثَ مِائَةٖ سِنِینَ وَٱزۡدَادُوا۟ تِسۡعٗا﴾
[سورة الكهف: 25]
﴿فأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِائَةَ عامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمٖ﴾
[سورة البقرة: 259]
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورةالإسراء: 1]
﴿قَـٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِینَ قَالُوا۟ لَبِثۡنَا یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمٖ﴾
[سورة المؤمنون: 112-113]
﴿لَیۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَیۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ﴾
[سورة القدر: 3]
ثانياً: المتن المسنود بأقوال العلماء:
1. مفهوم الزمن وفلسفة الوعاء الميقاتي:
يفرق علماء اللغة والتفسير (أبي هلال العسكري) في “الفروق” بين “الزمن” و”الوقت”:
الزمن هو الوعاء الكلي المستمر والحركة الكونية العامة التي لا يملكها إلا الله، وهو الدهر كما جاء في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ( قال الله عز وجل : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر ، وأنا الدهر بيدي الأمر ، أقلب الليل والنهار ) .
أما “الوقت” فهو المقدار المقتطع من هذا الزمن لفعلٍ معين يدركه الإنسان بوعيه. ويؤكد الإمام الفخر الرازي في “مفاتيح الغيب” أن الزمان عرضٌ يتبع الحركة، فإذا إختلفت طبيعة الحركة (بين مادي ونوراني) إختلف تقدير الزمان.
2. عجز المقياس البشري أمام طلاقة القدرة الإلهية:
مما ذكره أهل التفسير في قوله تعالى:
{كأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ}: أن اليوم عند الله كألف سنة من هذا العدد، وقيل معناه: وإن يوماً من أيام عذاب الله كألف سنة مما تعدون، وقيل أيضاً: وإن يوماً في الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا فيها خوف وشدة، وكذلك يوم النعيم قياساً، وكلها أقوال متقاربة
وفي هذا الموضع يقدم الشيخ الشعراوي وقفة تدبرية تقلب موازين الفهم المادي للزمن، حيث يقول:
“انظر إلى دقة اللفظ القرآني، لم يقل الحق (ألف سنة) وسكت، بل قيّدها بقوله ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. وهذا يشير إلى أن هناك (عَدّاً) وهناك (معدوداً)، فالعدُّ يحتاج إلى زمن وإلى آلة عدّ، وأنتم أيها البشر محبوسون في عداداتكم الأرضية التي تحسبونها بدورة الأرض حول نفسها أو حول الشمس”.
ويستطرد الشعراوي موضحاً: “الحق سبحانه يريد أن يخرجنا من سجن الأرقام، فهو (موجد الحركة) التي تقيسون بها أوقاتكم، فكيف يخضع لزمان هو خلقه؟ إن كلمة ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ هي (تجهيل) وتواضع للعقل البشري، فالله يضرب لنا مِثلاً بأقصى ما يمكن لعقولنا تصوره من ضخامة الأرقام، ليعلمنا أن اليوم عنده ليس مرور وقت، بل هو (شأن وإرادة). فالزمان بالنسبة لله هو (حاضر دائم)، وما قيد ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ إلا لندرك ضآلة تقديرنا المادي أمام عظمة الأزل والأبد”.
3. يوم ب “خمسين ألف سنة” ومعايير العروج النوراني:
يرى الإمام القرطبي في تفسيره أن هذا اليوم هو يوم القيامة لطوله على الكافرين، بينما يراه المؤمن أخف من صلاة مكتوبة. وهنا تبرز لطيفة الشيخ الشعراوي الذي يقول: “الحق سبحانه يعطينا مقاييس للزمن لا تخضع لعقولنا، فخمسون ألف سنة هي مسافة (العروج) للملائكة، وهي تدل على إتساع الملكوت.
الله يريد أن يقول لك: إذا كنت تقيس يومك بدورة الأرض حول نفسها، فبماذا تقيس يوماً تصعد فيه الروح والملائكة؟
إن النسبية هنا تحطم غرور العلم المادي، فالزمن ليس حقيقة ثابتة بل هو خاضع لإرادة الموجد سبحانه”.
4. تعطيل الزمن في نومة أهل الكهف :
حين عطل الله حواس أهل الكهف، عطل معها إستهلاك أجسادهم للزمن. ويذكر ابن كثير في تفسيره أن الله ضرب على آذانهم لئلا يزعجهم صوت، فناموا مئات السنين دون تغير. ويقول الشيخ الشعراوي: “الزمن يعمل فينا لأننا نتحرك وننفعل، فإذا أوقف الله (المحرك الحيوي) كما فعل بأصحاب الكهف، مرَّت 300 سنة كأنها نومة ليلة”. لقد صاروا خارج “قانون الاندثار الزمني” بأمر القيوم.
5. آية عزير وتجزئة الزمن بين الفناء والبقاء:
في قصة عزير، نرى أعجب صور ل”تجزئة الزمن” التي وقف عندها الإمام البغوي؛ فقد أماته الله مئة عام، وأبقى طعامه وشرابه ﴿لَمۡ یَتَسَنَّهۡ﴾ بينما أبلى عظام حماره. يقول الشعراوي: “انظر لطلاقة القدرة؛ أوقف الله الزمان عن (الطعام) وهو أسرع شيء يفسد، وجعله يمضي على (الحمار) فنخرت عظامه. هذا ليعلمنا أن الزمان ليس له قوة ذاتية، بل قوته من (أمر الله)، فيبقى ما شاء الله أن يبقى، ويفنى ما شاء الله أن يفنى بلمحة”.
6. الإسراء والمعراج وحقيقة طي المسافات في لا زمن:
معلوم أن السُرى في اللغة يعني السير ليلا ومع ذلك أضاف الحق كلمة ليلا حيث يقول ﴿أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَیۡلٗا﴾،
يذكر الإمام الآلوسي أن “ليلاً” بتنكيرها تفيد التقليل، أي في بعض الليل. لقد قطع النبي ﷺ مسافات تضرب فيها أكباد الإبل شهوراً، وهو ما إستنكره الكفار بقولهم “نحن نضرب أكباد الإبل شهراً ذهاباً وشهراً إياباً ومحمد يزعم أنه ذهب الليلة وعاد!!!.
يذكر المفسرون أن النبي ﷺ عاد وفراشه لا يزال دافئاً، بل وإناء الوضوء لم يبلغ الأرض بعد، هنا ندرك فلسفة “طي الزمن”؛ فالفعل لله ﴿أَسۡرَىٰ﴾، وكما يقول الشعراوي: “قدرة الفاعل تلغي عجز الوسيلة؛ فإذا كان الله هو الذي أسرى، فلا تسأل عن سرعة الضوء ولا قوانين المادة”.
7. ذهول الوعي عن الزمن عند مواجهة الحقيقة الكبرى:
عند البعث، يسأل الله الناس ﴿كَمۡ لَبِثۡتُمۡ﴾، فيقولون ﴿یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمٖ﴾. ويرى ابن الجوزي في “زاد المسير” أن هذا إستقصار لدنياهم مقارنة بالآخرة. وعن مقاربة عذاب القبر، يوضح العلماء أن “الزمن النفسي” يتلاشى أمام هول القيامة، فكل ما مضى يبدو كالحلم عند اليقظة. عذاب القبر حقيقة، لكن الإدراك الزمني له يختلف، تماماً كما يمر الكابوس على النائم كأنه دهر وهو في الحقيقة ثوانٍ، فبمجرد أن يغمض العبد عينيه يفتحهما على البعث.
8. الأفق السرمدي وتلاشي الزمن يوم القيامة:
يوم القيامة، ينتهي الزمن الأرضي ذو البداية والنهاية، وندخل في “السرمدية”. يرى الإمام الغزالي أن قيمة الزمن هناك ليست بطوله، بل بما أُودع فيه هنا. فالزمان الحقيقي هو ما كُتب لك فيه حياة مع الله، وما عداه فهو ضياعٌ ونسيان.
9. هندسة ليلة القدر وتكثيف البركة الزمانية:
في ليلة القدر، يخرق القرآن قانون “الزمن الخطي”؛ ويذكر الإمام الطبري أن العمل فيها خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة قدر. ويقول الشعراوي في لطيفته: “الحق سبحانه يعلم أن أعمار أمة محمد قصيرة، فأراد أن يعطيهم (هندسة زمانية) تعوضهم؛ فليلة القدر ليست وقتاً عادياً، بل هي (فيضٌ) من الملكوت نزل في الملك، فكتب الله لمن أحياها ثواب عمرٍ مديد يزن أكثر من 83 عاماً في ليلة واحدة”. فليلة القدر وهي ليلة واحدة بحسابنا ولكن تتمدد بركتها لتعادل عمل ألف شهر وزيادة، فهي تكثيف للزمن بقدرة مالك الزمن جل جلاله وتقدست أسماؤه.
ثالثاً: خلاصة الوقفات التدبرية
• الزمن “وعاء” للحوادث وليس حقيقة ذاتية، فالذي أوجده قادر على خلعه عن الأشياء (كما في طعام عزير) أو تسريعه أو إيقافه.
• قيمة العمر ليست في “عدد السنين”، بل في “البركة” المودعة في اللحظات؛ فليلة واحدة قد تزن عمراً (ليلة القدر)، ورحلة في جزء من الليل في ملكوت الله (الإسراء).
• البعث يثبت أن الدنيا مهما طالت فهي “ساعة من نهار”؛ فالموت يلغي الإحساس بمرور الدهور، مما يستوجب الاستعداد للحظة اليقظة الكبرى.
• قدرة الله مطلقة لا تقيدها قوانين الفيزياء الزمانية؛ فإذا أراد أمراً، عطّل الأسباب وأنفذ المشيئة في “لا زمن”.
اللهم أقسم لي من خشيت ما تحول به بيني وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغني بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به عليٌ مصائب الدنيا .
اللهم صل وسلم وبارك على حبيبنا وسفيعنا محمد ﷺ
نواصل غدا بمشيئة الله تعالى…


