أنوار البيان في تدبر القرآن-الحلقة رقم (10)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور
هندسة الباطن(ثلاثية الصدر، القلب والفؤاد)
يقول الحق تبارك وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾
[سورة محمد: 24]
إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.
في هذه الحلقة من سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم نقف عند هندسة باطن الإنسان في القرآن الكريم.
في القرآن الكريم، ليس “القلب” مجرد مضخة للدم، بل هو منظومة إدراكية متكاملة ذات طبقات. فكما أن للبيت فناءً، وجدرانًا، وحجرةً داخلية مكينة، فإن لوعي الإنسان “صدراً” هو الساحة، و”قلباً” هو المستقر، و”فؤاداً” هو ذروة الإحساس والاتصال.
أولاً: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم:
في شأن الصدر (وعاء الوسوسة والانشراح والضيق):
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِی صَدۡرِی﴾ [سورة طه: 25].
قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾
[سورة الشرح: 1].
قوله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَـٰمِ فَهُوة عَلَىٰ نُورࣲ مِّن رَّبِّهِۦۚ﴾
[سورة الزمر: 22].
قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِی یُوَسۡوِسُ فِی صُدُورِ ٱلنَّاسِ﴾
[سورة الناس: 5].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ یَضِیقُ صَدۡرُكَ بِمَا یَقُولُونَ﴾
[سورة الحجر: 97].
في شأن القلب (محل الإيمان والعقل والسكينة والتثبيت):
﴿أَفَلَمۡ یَسِيرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبࣱ یَعۡقِلُونَ بِهَاۤ أَوۡ ءَاذَانࣱ یَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِی فِی ٱلصُّدُورِ﴾
[سورة الحج: 46].
قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِینُ (١٩٣) عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِینَ﴾
[سورة الشعراء: 193-194].
قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد: 28].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبࣲ سَلِیمࣲ﴾
[سورة الشعراء: 89].
في شأن الفؤاد (محل التأثر والإحتراق واليقين النهائي):
﴿وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِی بِهِۦ لَوۡلَاۤ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾
[سورة القصص: 10].
قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰۤ﴾
[سورة النجم: 11].
قوله تعالى: ﴿نَارُ ٱللَّهِ ٱلۡمُوقَدَةُ (٦) ٱلَّتِی تَطَّلِعُ عَلَى ٱلۡأَفۡـِٔدَةِ﴾
[سورة الهمزة: 6-7].
ثانياً: المتن المسنود بأقوال العلماء:
يرى العلماء أن العلاقة بين هذه المصطلحات هي علاقة “ظرف بظرف”، فكل واحد منها أخص مما قبله.
“الصدر” (الساحة الخارجية والوعاء):
يُعرف الإمام الحكيم الترمذي في كتابه “بيان الفرق بين الصدر والقلب” الصدر بأنه “معدن الهواجس والوساوس”، وهو الطبقة الخارجية للقلب، وهو ساحة “الوسوسة” و”الضيق” و”الإنشراح”. فالتكليف يبدأ من هنا؛ فإما أن ينشرح الصدر بنور الإيمان فيتسع، أو يضيق بالمعصية، والوسوسة لا تصل إلى “القلب” إلا إذا إستسلم لها الصدر. فالصدر هو الحصن، “فإذا دخله الشيطان وسوس”، فإذا غلب العبدُ الشيطانَ بالذكر، “طُرد الوسواس من الصدر قبل أن يصل إلى السويداء” (القلب).
الصدر يتأثر بالبيئة المحيطة (لذلك نزل قوله:
﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ یَضِیقُ صَدۡرُكَ بِمَا یَقُولُونَ﴾
يقول الشيخ الشعراوي في “شرح الصدر”: “الله لم يقل (شرحنا لك قلبك)، بل قال (نشرح لك صدرك)؛ لأن الصدر هو الساحة التي تستقبل المتاعب. فإذا انشرح الصدر، صار واسعاً لا يضيق بمؤامرات الخلق، وحمى القلب الذي بداخله من الهم”. إن الصدر هو منطقة الهجوم والدفاع، هو المطار الذي تهبط فيه الطائرات (الخواطر)، فإما أن تستقبلها فتدخل إلى القلب، وإما أن تدفعها فيبقى القلب سليماً.
“القلب” (الجوهر ومحل التثبيت واليقين):
قال رسول الله ﷺ: «لَقلبُ ابن آدم أشدّ تقلباً من القدر إذا إستجمعت غلياناً».
القلب عند المفسرين كـ ابن القيم الجوزية هو “ملك الأعضاء” ومستقر الإيمان والتقوى، وهو “المركز” المحمي داخل الصدر، ومحل “العقيدة” و”التصديق” و”السكينة”. القلب هو الذي يُخاطَب بالإيمان وهو الذي يطمئن بذكر الله.
وبقوله تعالى: (القلوب التي في الصدور) يقطع الطريق على من يظن أن القلب مجرد (عضلة ضاربة). الله يتحدث عن القلب كـ (جهاز استقبال وتدبر)؛ فإذا انغلق الصدر، انقطع الإمداد عن القلب فعمي”.
يلحظ الإمام الفخر الرازي: في قوله {تعمى القلوب التي في الصدور} تأكيداً على أن “البصيرة” هي وظيفة القلب، فإذا فسد القلب، لم ينفع بصر العين ولا سعة الصدر، وصار الإنسان يتخبط في التيه رغم رؤيته للأشياء. والقلب هو الذي “يعقل”، فالعقل في القرآن عمل قلبي وليس مجرد عملية دماغية باردة. هو الذي يربط المعلومة بالقيمة.
أما الإمام إبن القيم: يرى أن القلب مستقر العلم، وهو محل “العلم والمعرفة”. فإذا إجتمع نور العلم في القلب مع حرارة الحب في الفؤاد، إستقام حال العبد وانسدّت ثغرات صدره أمام الشيطان.
يقول الشيخ الشعراوي في “رباط القلب”: “انظر إلى دقة القرآن، الفؤاد (العاطفة والأمومة) فزع وإضطرب، لكن الربط كان على (القلب)؛ لأن القلب هو الذي يحمل العقيدة بأن وعد الله حق. فالله ثبّت العقيدة لتسكن العاطفة”.
الربط لا يكون إلا على شيء يرتجف أو يريد الفكاك. إن قلب أم موسى من هول الفاجعة كان يريد أن يطير من بين أضلاعها، أو يخرج عن طوعه ليصرخ: (وا ولداه!). فالربط هنا هو (قهر إلهي) لإنفعال البشرية، ليظل السر مكتوماً.”
الفؤاد هو المشتعل، وهو محل الإنفعال والإحتراق، فالتأثر النفسي (الخوف، الفزع، الهلع) أصاب فؤاد أم موسى فأفرغه من كل تماسك. أصبح فارغاً من كل أمر من أمور الدنيا، ولم يعد فيه إلا موسى.”
وعن قوله تعالى {لتكون من المؤمنين} يقول الشيخ الشعراوي: “الإيمان هنا ليس إيمان العقيدة فحسب، بل هو إيمان (الثقة في وعد الله). لقد ربط الله على قلبها لتستعيد ذاكرة الوعد (إنا رادوه إليك)، فلو لم يربط على قلبها لضاعت القضية كلها بصرخة واحدة.”
لطيفة الشيخ الشعراوي: “الطمأنينة سكنت في أعمق نقطة (القلب). فالصدر قد يضيق، والفؤاد قد يرتجف، لكن المؤمن يصل لمرحلة يكون فيها قلبه ثابتاً كالجبل لأن ذِكر الله أحاط به”. “
يقول الحق تبارك وتعالى عن القلب {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}
إذن ف “سلامة” القلب هي أعلى وصف للقلب، وهو القلب الذي ليس فيه شريك لله، فصار كله لله، فلا يسكنه خوفٌ من بشر ولا طمعٌ في فانٍ”.
ونختم حديثنا عن القلب بقول رسولنا الكريم ﷺ :
( إن في الجسد مُضغةٌ إذا صلُحت صلُح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).
“الفؤاد” (موطن التأثر والتثبت والإحتراق):
يذهب اللغويون والمفسرون إلى أن “الفؤاد” مشتق من “الفأد” وهو الشوي أو الإحتراق بالنار. الفؤاد هو الجانب الحسي والعاطفي من القلب الذي يتأثر بالمشاهد والمصائب. لذا إستُعمل الفؤاد في مقام “الرؤية” {ما كذب الفؤاد ما رأى}.
يقول المفسرون أن هذه الآية جاءت في مقام تثبيت الرؤية الغيبية الكبرى للنبي ﷺ. فالرؤية تكون بالعين، ولكن الحق قال (ما كذب الفؤاد ما رأى)، لأن العين قد تزيغ أو تطغى، لكن الفؤاد إذا شُحن بنور الله صار هو الحاكم على الرؤية. فالرؤية هنا لم تكن مجرد خيال عابر، بل كانت رؤية بصرية صدّقها الفؤاد وطابقها مطابقة تامة، فلم يكذب الفؤاد ما رآه البصر من جلال ملكوت الله. الفؤاد هناةهو الذي يغلي بالمشاعر. يتأثر بالمشاهدة والشهود
يذكر الإمام القرطبي: أن “الفؤاد” هو أرقُّ حجاباً من القلب، لذا كان النبي ﷺ يقول: “أهل اليمن أرقُّ أفئدة وألين قلوباً”، فقدم رقة الفؤاد (التأثر) على لين القلب (القبول).
نختم حديثنا عن “الفؤاد” بالتوقف مليا عند قوله تعالى في سورة الهمزة:
{نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ}
ولماذا خص الحق عزوجل الأفئدة وأن النار تأكل جميع أجساد من يعذبون في النار ؟
يقول المفسرون أن الله خص الأفئدة لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه . أي إنه في حال من يموت وهم لا يموتون فقد قال الله تعالى : {لا يموت فيها ولا يحيا}
فهم إذن أحياء في معنى الأموات ،
وقيل : معنى تطلع على الأفئدة أي تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وذلك بما إستبقاه الله تعالى من الأمارة الدالة عليه. ويقال : إطلع فلان على كذا: أي علمه .
وللشيخ الشعراوي ملمحا دقيقا حول هذه الآية جيث يقول: الله خص الأفئدة لأن المعصية نبعت من (نية) في أعماق القلب، فجاء الجزاء من جنس العمل، نارٌ تنفذ إلى أرقّ وأعمق نقطة في الإنسان وهي الفؤاد، لأن الفؤاد هو الذي كذب أو صدق.”
ثالثاً: خلاصة الوقفات التدبرية
رحلة الهداية التراتبية:
• إن رحلة الهداية تبدأ بـ إنشراح الصدر، ثم إطمئنان القلب، ثم تثبيت الفؤاد.
• الصدر يتأثر بالبيئة المحيطة، والقلب يتأثر بالوحي والذكر، والفؤاد يتأثر بالمشاهدة والشهود.
• الإنسان مطالب بتنظيف “صدره” من الغل ليحافظ على “قلبه” سليماً، فيصل إلى مرتبة “الفؤاد” اليقظ الذي يرى بنور الله ما لا يراه غيره.
• هندسة الباطن الإنسانية:
• الله يخاطب صدرك ليفتحه، وفؤادك ليطمئنه، وقلبك ليثبته. هو خطابٌ يربي فينا التوازن بين العاطفة الجياشة (الفؤاد) وبين العقيدة الراسخة (القلب). فقه الخطاب في حوار الروح يعلمنا أننا أمام “طب رباني”.
الفروق الوظيفية:
• الصدر هو الوعاء والساحة وهو معدن الهواجس، والقلب هو الجوهر ومحل التثبيت ومستقر الإيمان، والفؤاد هو محل التأثر واليقين النهائي والإحتراق بالمشاعر. عندما إضطرب “فؤاد” أم موسى بالمشاعر، نزل التثبيت الإلهي على “قلبها” ليربط عليه باليقين.
اللهم أشرح لي صدري، ويسر لي أمري
اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد: عدد كمال الله وكما يليق بكماله


