مقالات

أنوار البيان في تدبر القرآن – الحلقة رقم: (11)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور

(بناء السماء وأسرار العروج )

يقول الحق تبارك وتعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾

[سورة محمد: 24]

إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.

نواصل حلتنا سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم ونقف في هذه الحلقة عند التفكر في خلق السماوات والأرض ذلك المشهد الكوني الذي يملأ النفس خشوعاً وإجلالاً. إن السماء ليست مجرد فضاء فراغ، بل هي “بناء” محكم، سقف محفوظ، وزينة للناظرين. إن النظر في ملكوت السماوات هو عبادة الصديقين، فما رفعت هذه السماء إلا لتعرفنا بعظمة رافعها، وما زينت بالنجوم إلا لتدلنا على جمال خالقها. الباطل هو الغفلة عن هذا الإعجاز، أما الحق فهو إدراك أن وراء كل سماء باباً، ووراء كل باب حكمة، ووراء كل حكمة إرادة إلهية مطلقة.

أولا: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم :

﴿إِنَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَـٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَـٰٔیَـٰتࣲ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ﴾

[سورة آل عمران: 190]

﴿أَفَلَمۡ یَنظُرُوۤا۟ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ فَوۡقَهُمۡ كَیۡفَ بَنَیۡنَـٰهَا وَزَیَّنَّهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجࣲ﴾

[سورة ق: 6]

﴿ٱلسَّمَاۤءُ مُنفَطِرُۢ بِهِۦۚ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَفۡعُولًا﴾ [سورة المزمل: 18]

﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَاۤءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَ ٰ⁠بࣰا﴾

[سورة النبأ: 19]

﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَ ٰ⁠بُ ٱلسَّمَاۤءِ وَلَا یَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ یَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِی سَمِّ ٱلۡخِیَاطِ﴾

[سورة الأعراف: 40]

﴿وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَیۡهِم بَابࣰا مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ فَظَلُّوا۟ فِیهِ یَعۡرُجُونَ﴾

[سورة الحجر: 14]

﴿تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَـٰۤئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَیۡهِ فِی یَوۡمࣲ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِینَ أَلۡفَ سَنَةࣲ﴾

[سورة المعارج: 4]

﴿یَـٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُوا۟ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَـٰوَ ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُوا۟ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَـٰنࣲ﴾

[سورة الرحمن: 33]

﴿وَٱلسَّمَاۤءَ بَنَیۡنَـٰهَا بِأَیۡی۟دࣲ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [سورة الذاريات: 47]

﴿ٱلَّذِی خَلَقَ سَبۡعَ سَمَـٰوَ ٰ⁠تࣲ طِبَاقࣰا﴾

[سورة الملك: 3]

المتن المسنود بأقوال العلماء:

: حقيقة بناء السماء (وكيف بنيناها وزيناها):

يؤكد القرآن الكريم أن السماء “بناء” ﴿بَنَیۡنَـٰهَا﴾، والنباء يقتضي وجود مواد وبناء وإحكام. حيث يذكر الإمام إبن كثير في تفسيره أن السماء سقف للعالم، وهي محفوظة من السقوط ومن الشياطين، ملساء لا شقوق فيها ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجࣲ﴾. وهذا الإحكام يدل على تمام القدرة، فالسماء لم تبنَ بعمد نراها، بل بتقدير العزيز العليم.

يقول الشيخ الشعراوي في تدبر آيات السماء في تناول آيات السماء بلمساته العميقة في “بنيناها بأييد وإنا لموسعون”: أن “الأييد” هي القوة المطلقة، وأن “التوسع” في السماء هو حقيقة كونية لم يدركها العلم إلا حديثاً (تمدد الكون).

سر العمد: “بغير عمد ترونها”:

يقول تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ بِغَیۡرِ عَمَدࣲ تَرَوۡنَهَا﴾. لقد توقف الفقهاء والمفسرون عند كلمة “ترونها” على قولين:

القول الأول ل (ابن عباس ومجاهد): أن للسماء عمداً ولكنكم لا ترونها، وهي قدرة الله وقوانينه التي تمسك السماوات أن تقع على الأرض.

القول الثاني ل (قتادة): أنها مرفوعة بلا عمد أصلاً، وكلمة “ترونها” جاءت لتأكيد المشاهدة؛ أي انظروا إليها تجدوها بلا عمد.

يرى الشعراوي أن الله جعل السماء آية مبصرة، فالعين تنفي وجود العمد، والعقل يثبت وجود “مُمسك” ﴿أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ﴾. فالسلطان الحقيقي الذي يمسك السماء هو “كلمة الله” وقدرته التي جعلت المادة تتماسك في الفضاء بلا ركائز حسية.

وهنا تبرز النظرة الهندسية القرآنية؛ فالبناء البشري يرتكز على أعمدة مادية تشغل حيزاً، أما البناء الإلهي فهو “مرفوع بالقدرة” ومحكوم بقوانين الجاذبية والتماسك الكوني التي هي بمثابة “عمد معنوية” غير مرئية، وهذا أبلغ في الإعجاز.

أبواب السماء (وفتحت السماء فكانت أبواباً):

إن الحق سبحانه حين نفى “الفروج” أراد أن يؤكد لنا أن السماء سقف لا يتسرب منه الخلل، وحين أثبت “الأبواب” أراد أن يخبرنا أن الغيب له منافذ معلومة عند الله، فنحن نعيش تحت سقف لا ثقب فيه، ولكن فوقنا عالم له بوابات تفتح للرزق والرحمة.

السماء ليست مكاناً مفتوحاً بالكامل، بل لها “أبواب” حقيقية وحرس من الملائكة. يذكر الإمام الطبري في “جامع البيان” أن للسماء أبواباً تنزل منها الأرزاق والملائكة، وتصعد منها أرواح المؤمنين وأعمالهم الصالحة. ويستدل المفسرون بحديث المعراج حيث كان جبريل عليه السلام يستفتح في كل سماء فيُسأل: “من معك؟”، وهذا يؤكد أن النفاذ للسماء ليس أمراً مشاعاً بل هو بنظام دقيق.

في “أبواب السماء”: أوضح الشيخ الشعراوي أن السماء بالنسبة لنا “غيب”، والأبواب هي منافذ هذا الغيب إلى الشهادة، فمنها ينزل الوحي، ومنها ينزل المطر (الرزق)، وفيها تُرفع الأعمال، فكأن السماء هي ديوان الملك سبحانه.

العروج في السماء (فظلوا فيه يعرجون):

العروج هو الصعود في خطوط منحنية غير مستقيمة، وهو لفظ قرآني معجز أثبته العلم الحديث بأن الحركة في الفضاء لا تكون في خطوط مستقيمة بسبب قوى الجاذبية وانحناء الزمكان. يذكر الإمام القرطبي أن العروج صفة لحركة الملائكة وأرواح الأبرياء، وهي تدل على الرفعة والسمو في ملكوت الله.

 النفاذ بـ “سلطان” (بين العلم والقدرة):

يقول تعالى: ﴿لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَـٰنࣲ﴾. إختلف العلماء والمفسرون في معنى ماهو”السلطان” المقصود هنا:

• سلطان القدرة الإلهية:

يرى ابن عباس وكثير من المفسرين أن “السلطان” هنا هو الحجة والبرهان والقوة الإلهية، أي أنكم لن تستطيعوا الهرب من قضاء الله وقدره إلا بأمر منه.

• سلطان العلم:

ذهب بعض المفسرين المحدثين إلى أن “السلطان” قد يشير إلى العلم الذي يمكن الإنسان من اختراق أقطار الأرض والسماء (كصناعة الصواريخ والمركبات)، ولكن هذا النفاذ يظل محدوداً أمام عظمة السماوات السبع التي لا تفتح أبوابها إلا بالقدرة الإلهية.

• سلطان الملك:

ويرى الإمام البغوي أن السلطان هو “الملك والقدرة” التي لا يملكها إلا الله وحده، فمن أراد النفاذ بغير إذن الله واجهته الشهب والحرس.

في “لا تنفذون إلا بسلطان”: قدم الشعراوي لمحة ذكية، مبيناً أن الله تحدى الجن والإنس بالنفاذ، فإذا نال الإنسان “سلطان العلم” ونفذ إلى الفضاء، فإنه لا يخرج عن ملك الله، بل يزداد يقيناً بعجز البشر أمام أقطار السماوات التي تضيق أمامها كل التقنيات إذا ما قورنت بملكوت الله الأعلى.

خلاصة الوقفات التدبرية:

• إن السماء بناء عظيم، وأبوابها مفتوحة للدعاء والأعمال الصالحة.

•العروج الحقيقي يكون بعروج الروح بالتقوى .

• السلطان الحقيقي هو سلطان الإيمان الذي يفتح للمؤمن مغاليق الملكوت.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد

نواصل غدا بمشيئة الله…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى