أنوار البيان في تدبر القرآن الحلقة – رقم (15)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور
“إعجاز الحرف: مآل ومصير”
يقول الحق تبارك وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾
[سورة محمد: 24]
إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.
نواصل سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم
ونرى ونتدبر اليوم كيف أن حرفا واحدا كان حداً فاصلاً بين مقام الرحمة ومقام العذاب، وبين التتابع والإنقطاع.
أولاً: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم:
{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}
[سورة الكهف: 22]
{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ}
[سورة التوبة: 112]
{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}
[سورة الزمر: 71]
{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}
[سورة الزمر: 73]
ثانياً: المتن المسنود بأقوال العلماء:
توطئة في أدب اللفظ القرآني:
القرآن الكريم كتابٌ أُحكمت آياته، فلا يوجد فيه حرفٌ لزينةٍ لفظية، بل كل حرفٍ فيه وضع بقدر، وفي اللغة العربية في بعض أساليبها تضع “الواو” بعد السبعة وقبل الثمانية، وهو ما يظهر في مواضع متعددة من القرآن.
“واو” الثمانية في قصة أصحاب الكهف:
يرى الإمام الثعالبي وإبن خالويه أن الواو في قوله تعالى: {وَثَامِنُهُمْ} هي التي قطعت التخمين (الرجم بالغيب) لتثبت العدد الصحيح، فالحق ذكر قولين بغير واو، ثم ذكر القول الثالث بالواو ليُشعر القارئ بإنتهاء العد عند العدد الحق، وهو سبعة وثامنهم كلبهم.
يعلق الشعراوي على “واو” الثمانية في قصة أهل الكهف بقوله: “لماذا لم يضع الواو مع (رابعهم) أو (سادسهم)؟
ويجيب: “لأنها أعداد غير صحيحة، فتركها مرسلة ليدلك على أنها رجمٌ بالغيب.
فلما جاء بالعدد الحق (سبعة وثامنهم) وضع الواو ليثبّت الحقيقة في ذهن السامع، فكأن الواو هي ختم الصدق على العدد”.
“أن الحق سبحانه جعل للغة أسراراً تخاطب الفطرة؛ فالعرب كانت تعد من واحد لسبعة، فإذا أرادوا الإنتقال لعقدٍ جديد (الثمانية) وضعوا الواو، انظر لقوله تعالى في صفات المؤمنين في سورة التوبة، ذكر سبع صفات متتابعة، ولما جاءت الثامنة قال (والناهون عن المنكر)، ليعطيك وقفة إستراحة وتأمل عند اكتمال عقد الفضائل”.
“الواو” بين أبواب الجنة والنار
يذهب الإمام الزمخشري في “الكشاف” إلى أن الواو في قوله {وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} في سياق الجنة هي “واو الثمانية”، لأن أبواب الجنة ثمانية.
بينما حُذفت في أبواب النار {فُتِحَتْ} لأن أبواب النار سبعة بنص القرآن {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ}، فاحتاجت الثمانية في الجنة لـ “واو” الإيذان بتمام العدد.
دلالة الإستقبال والإنتظار:
يرى مفسرون آخرون أن حذف الواو في النار يدل على سرعة المفاجأة بالعذاب، فبمجرد وصولهم تُفتح الأبواب فجأة.
أما في الجنة، فالواو تدل على أن الأبواب كانت مفتوحة تكريماً لهم قبل وصولهم، أو أنها فُتحت لهم بمراسم إستقبال تليق بمقامهم.
يقول الشعراوي عن أبواب الجنة: في تحليل آيتي سورة الزمر:
“في النار قال (حتى إذا جاءوها فتحت)، كأن النار تتلهف عليهم فتفتح أبوابها بمجرد الوصول (فجأة).
أما في الجنة فقال (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها)، هذه الواو تسمى (واو الحال)، أي جاءوها والحال أنها مفتوحة تنتظرهم، لئلا يقف المؤمن على الباب لحظة إنتظار واحدة، فالتكريم يقتضي أن يجد الباب مفتوحاً قبل وصوله”.
ويلحظ الشعراوي أن الواو في الجنة تعطي شعوراً بـ الموافقة والترحاب: “الواو هنا تفيد العطف على مقدر، كأن المعنى: جاءوها فاستقبلوا، وأكرموا، وفتحت أبوابها، أما بالنسبة لأهل النار:
“فلا تكريم ولا إستقبال، بل فتحٌ مباغت لزيادة الروع والفزع”.
واو الثمانية في القرآن هي “واو الكمال” و”واو التكريم”. حُذفت في مواضع السبعة لتفيد السرعة أو الضيق، وذُكرت في مواضع الثمانية لتفيد التمام، والسكينة، والإستقبال الحافل لأهل الجنة.
فسبحان من جعل في الواو سراً يفرق بين دار الشقاء ودار النعيم.
خلاصة الوقفات التدبرية:
• قطع الله التخمين في عدد أصحاب الكهف بـ “الواو”؛ حين قال ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، كانت هذه الواو هي الفاصلة بين “الرجم بالغيب” والحقيقة الثابتة، لتدل على أن ما بعدها هو العدد الصحيح.
• في قوله تعالى ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، جاء الفعل من غير “واو” ليدل على المباغتة والمفاجأة؛ فالأبواب مغلقة حتى يصلوا، فإذا وصلوا فُتحت فجأة ليفجأهم العذاب والخزي.
• في قوله تعالى ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، أُضيفت “الواو” لتدل على أن الأبواب فُتحت لهم “قبل” وصولهم إكراماً وتبشيراً، وكأن الجنة تتلهف للقاء المؤمنين.
دلالة العدد (الثمانية): أشار العلماء (ومنهم • إرتباط “الواو”بـ “أبواب الجنة الثمانية”، جاءت لتؤكد تمام العدد وكمال النعمة، وأن الفرق بين وجود الواو وحذفها هو الفرق بين “الإنتظار” والإستقبال”؛ فالمؤمن لا يقف عند الباب منتظراً، بل يجد الباب مفتوحاً.
أما الكافر فيُساق ليجد الباب يُفتح في وجهه ليباغت ويفاجأ بهول ما ينتظره.
اللهم أغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد ﷺ ، بقدر حبك فيه وزدنا يا مولاي حبًّا فيه
نواصل غدا بمشيئة الله تعالى…



