مقالات

أنوار البيان في تدبر القرآن -الحلقة رقم (16)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور

   “أسرار الخلق…ونوافذ الأمر الإلهي”

يقول الحق تبارك وتعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾

[سورة محمد: 24]

إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.

نواصل سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم

 حيث نقف في هذه الحلقة أمام ثنائية مذهلة تحكم وجودنا؛ فالعالم ليس مجرد مادة صماء نلمسها، بل هو نتاج تمازجٍ دقيق بين قوانين “الخلق” التي نراها، وسلطان “الأمر” الذي نؤمن به.

إنها رحلة من عالم الأسباب المادية والمدد الزمني، إلى عالم الكلمة الإلهية والمدد الغيبي.”الفعل” و”الإرادة”، لنتدبر كيف أن العالم في الرؤية القرآنية هو نتاج لتدبيرين إلهيين:

تدبيرٌ ب”الخلق” والتقدير،

وتدبيرٌ ب”الأمر” والتسخير.

أولاً: آيات الإستدلال من محكم التنزيل:

الجمع بين العالمين وبيان سعة المُلک:

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ یُغۡشِی ٱلَّیۡلَ ٱلنَّهَارَ یَطۡلُبُهُۥ حَثِیثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَ ٰ⁠تِۭ بِأَمۡرِهِۦۤۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾

[الأعراف: 54]

عالم “الخلق” وأطوار التدرج والتقدير:

﴿ٱلَّذِی خَلَقَ سَبۡعَ سَمَـٰوَ ٰ⁠تٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِی خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ﴾

[الملك: 3]

﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٖ مِّن طِینٖ ۝ ثُمَّ جَعَلۡنَـٰهُ نُطۡفَةٗ فِی قَرَارٖ مَّكِینٖ ۝ ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَـٰمٗا فَكَسَوْنَا ٱلۡعِظَـٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَـٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَـٰلِقِینَ﴾

[المؤمنون: 12 – 14]

سلطان “عالم الأمر” وسرعة النفاذ الإلهي:

﴿إِنَّمَاۤ أَمۡرُهُۥۤ إِذَاۤ أَرَادَ شَیۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾

[يس: 82]

﴿وَمَاۤ أَمۡرُنَاۤ إِلَّا وَ ٰ⁠حِدَةٌ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ﴾

[القمر: 50]

الروح جسر بين العالمين:

﴿فَإِذَا سَوَّیۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِیهِ مِن رُّوحِی فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِینَ﴾

[ص: 72]

ثانيا: المتن المسنود بأقوال العلماء:

أسرار عالم “الخلق” وعالم “الأمر”:

يقول الحق تبارك وتعالى في محكم تنزيله: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِينَ﴾. في هذه الآية العظيمة، يضع القرآن الكريم تقسيمات الوجود الجوهرية؛ فكل ما في الكون إما أن يكون من:

“عالم الخلق” الذي نراه ونلمسه ونقيسه بالزمان والمكان والوزن، أو من “عالم الأمر” الذي يمثل الإرادة الإلهية النافذة والسر المكنون الذي لا يخضع للقوانين المادية، ولا تدركه الحواس.

“عالم الخلق” وقوانين الزمن والتدريج:

الإمام الغزالي (في إحياء علوم الدين والمقصد الأسنى): يرى أن “عالم الخلق” هو كل ما له مقدار وصورة وحيز وجهة. هو عالم “الأجسام” التي تدركها الحواس وتقبل الإنقسام والقياس، فالخلق هنا لا يعني مجرد الإيجاد من العدم (فهذا يشترك فيه مع الأمر)، بل يعني “التقدير”؛ أي إعطاء الشيء “قدره” المادي (طولاً، عرضاً، وزناً). وهو عالم “التدريج”؛ حيث خلق الله السماوات في ستة أيام، والجنين في أطوار، ليعلمنا أن الأسباب تحتاج إلى وقت (مُدّة).

ف”عالم الخلق” عند الإمام الغزالي هو كل ما دخل تحت التقدير والمساحة والمقدار.

الخلق في اللغة ليس الإيجاد فحسب، بل هو “التقدير”. فكل ما تراه عيناك وله طول وعرض ووزن، ويخضع للزمان والمكان، هو من “عالم الخلق”.

يرى كثير من المفسرين:

“أن قوله تعالى ﴿خَلَقَ﴾ في الآيات يشير دائماً إلى هيئة مادية مركبة، فكل ما له “أبعاد” ينتمي لهذا العالم”.

يقول الشعراوي رحمه الله: “الحق سبحانه وتعالى يريد أن يفرق لنا بين (الصنعة) وبين (القدرة). الخلق يأخذ وقتاً ليعلمنا نحن البشر أن لكل شيء سبباً ووقتاً، ولنحترم نحن نواميس الكون. أما (الأمر) فلا يأخذ وقتاً، لأنه بكلمة (كن).

ولكن هل تساءلت يوماً:

لماذا خلق الله الكون في “ستة أيام” وهو القادر على إيجاده بلمحة “كن”؟ ولماذا يمر الجنين بأطوار مجهدة بينما الروح تُنفخ فيه في لحظة خاطفة؟

في التدرج في الخلق يقول العلماء:

“الحكمة الإلهية إقتضت أن يسير هذا العالم وفق “سنن”؛ فالنبات ينمو بمهل، والإنسان يُخلق في أطوار. هذا التدريج هو “مدرسة” للمخلوق ليتعلم أن المادة محكومة بالوقت (المدة) والسببية.

يقول الإمام الغزالي حول هذه النقطة:

أن “الخلق” في جوهره هو “التقدير”، أنت تعيش في عالم محكوم بالمساحة والوزن والزمن، كل ما تلمسه هو “خلق” خاضع لقانون (المدة والمادة).

السماوات لم تُخلق فجأة، بل في أيام، والجنين لم يولد رجلاً، بل في أطوار، ذلك لأن عالم الخلق هو “مدرسة الأسباب”؛ هو الحيز الذي يعلمنا الله فيه أن لكل نتيجة مقدمة، وأن المادة لها حدود لا تتجاوزها إلا بإذن صاحبها.

إن حكمة الله البالغة من هذا التدرج في الخلق هي: ل”تعليمنا الصبر” و”إظهار العظمة”. كما أن الله تعالى يريد أن يعلمنا نحن البشر:

حول الحكمة من “ستة أيام”يقول الشيخ الشعراوي:

“الله قادر أن يخلق السماوات في لمح البصر بكلمة (كن) من “عالم الأمر”، ولكنه خلقها في (ستة أيام) في “عالم الخلق” ليضع لنا منهجاً في عمارة الأرض، فلا نستعجل النتائج قبل تنضج الأسباب”.

“أن الإتقان يحتاج مساراً زمنياً (في عالم الخلق)، بينما هو منزه عن الحاجة لهذا الزمن في (ذاته وأمره).

عالم الأمر: ملكوت الكلمة وسلطان الإرادة:

يذهب الإمام الغزالي في كتابه (مشكاة الأنوار) إلى أن الوجود ينقسم إلى عالمين: عالم “الخلق” وهو عالم الشهادة والمقادير، وعالم “الأمر” وهو عالم الملكوت والأرواح. ويقرر أن تسميته بـ “عالم الأمر” جاءت من كونه وُجد بكلمة الإرادة المحضة كن دون حاجة إلى “مادة” يتقالب فيها، أو “مدة” زمانية يتدرج عبرها. فإذا كان عالم الخلق هو عالم “الأجسام” التي تقبل الإنقسام والقياس والمساحة، فإن عالم الأمر هو عالم “البصائر” واللطائف التي لا يحدها حيز ولا يحصرها زمان.

وفي لفتة تفسيرية عميقة، يوضح الفخر الرازي في (مفاتيح الغيب) أن الفارق الجوهري يكمن في “الوسائط”؛ فعالم الخلق خلقه الله “بالأسباب” ليعلمنا التقدير، أما عالم الأمر فقد استأثر الله به لنفسه في مقام الغيب المطلق. ويستدل الرازي بقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أَمۡرُنَاۤ إِلَّا وَ ٰ⁠حِدَةٌ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ﴾، مشيراً إلى أن الموجودات الآمرة كالأرواح والملائكة والعرش، لا تخضع لقوانين “الحركة والسكون” الفيزيائية، بل هي أنوارٌ سارية في الكون بمددٍ إلهي لا ينقطع، وهي التي تمد عالم الخلق بالحياة والحركة.

أما الشيخ الشعراوي رحمه الله، فيضفي لمسة إيمانية باهرة في شرحه لهذا الربط؛ حيث يرى أن عالم الأمر هو “خزائن الغيب” التي تخرج منها الأقدار لتبدو في صور مادية بـ “الخلق”. ويقول: “إن الحق سبحانه جعل (الروح) من عالم الأمر ليحفظ سر الحياة بعيداً عن عبث العقول المادية؛ فكل ما تدركه بمختبراتك هو خلق، وما لا تدركه إلا بآثاره هو أمر”. ويضيف لطيفة بديعة في أن عالم الأمر هو عالم “النفاذ”؛ فبينما يحتاج البناء المادي لسنوات، فإن الأمر الإلهي يطوي الزمان والمكان، لأن الآمر هو الذي وضع القوانين، ومن وضع القانون لا يُسأل عنه، بل يُسأل القانون عن أمره.

عندما سألوا عن الروح، جاء الجواب من الحق تبارك وتعالى: (مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي أنها ليست خاضعة لقوانين المادة التي تدرسونها في المعامل.

الروح لا تمرض بمرض الجسد، ولا تموت بموته، لأنها من عالم (الأمر) العلوي الذي لا يفنى بفناء عالم (الخلق) السفلي. الجسد (الخلق) يأكل من الأرض، والروح (الأمر) غذاؤها من السماء (ذكر الله)”.

ويجمع العلماء والمفسرون بتأصيل فقهي وفلسفي مفاده أن:

“الأمر” هو الروح المحركة للكون؛ فكما أن الجسد المادي (خلق) يسكن ويهمد إذا نُزعت منه الروح (أمر)، فكذلك الكون بأسره، لولا سلطان الأمر الإلهي وتدبيره الدائم في “ملكوت كل شيء”، لإنهار عالم الخلق وتلاشى. فتبارك من له “الخلق” صنعةً وتقديراً، وله “الأمر” ملكاً وتدبيراً.

خلاصة الوقفات التدبرية:

• إن عالم “الخلق” بماديته وجزئياته وقوانينه الفيزيائية ليس إلا “مأموراً” ممتثلاً لسلطان عالم “الأمر”؛ فالمادة لا تملك من خصائصها ذاتياً إلا ما يمدها به الأمر الإلهي، فالسيادة والتبعية لسلطان عالم الأمر.

• يمثل الإنسان نقطة الإلتقاء بين العالمين: فبينما يضرب جسده بجذوره في طين “الخلق” خاضعاً للزمن والهرم، تظل روحه نفخة من “عالم الأمر” لا يحدها زوال ولا يحصرها فناء. وهذا التمازج هو سر التكليف، حيث طُلب من “المخلوق” الطيني أن يرتقي بـ “الأمر” الروحي حتى يبلغ مقامات الملائكة.

• الحكمة من خلق الكون في “ستة أيام” مع القدرة على قوله “كن”، هي إرساء منهج “التقدير” لعالم المادة؛ فالحق سبحانه يعلمنا أن الإستخلاف في الأرض يقتضي إحترام “المدد الزمنية” وتراكم الأسباب، بينما يبقى اليقين معلقاً بالقدرة التي تختزل الدهور في “لمح البصر”.

• أن الجسد المادي يحيى بروح من “عالم الأمر”، فإن الوجود الإنساني المعنوي لا يستقيم إلا بـ “الروح” الموحى بها ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾؛ فالقرآن ليس مجرد نصٍّ لغوي، بل هو طاقة تصحيحية تنفذ إلى صلب المادة لتغير المسار وتعيد صياغة النفس البشرية.

• إن عالم “الخلق” هو “مختبر” الصور والوسائل المتغيرة، وعالم “الأمر” هو “مستودع” الحقائق والنيات الثابتة، فالعبرة في الوجود ليست بضخامة الأجساد وعظمة الأبنية (الخلق)، بل في سر الإخلاص والقبول الساري فيها من (الأمر)، فكم من عمل صغير في عالم الخلق، تكون عظّمته كامنة في “نيةٌ” صادقة مستمدة من نور “عالم الأمر”.

• إذا أعياك “عالم الخلق” بأسبابه وتعقيداته المادية، فاهرب إلى عالم الأمر الذي بيد مسبب الأسباب، فالله الذي خلق الأسباب (الخلق) قادر أن يعطلها بكلمة (الأمر) كما جعل النار برداً وسلاماً”.

اللهم يا من نوره في سره وسره في خلقه، أحفظني بما حفظت به الروح في الجسد، إنك على كل شيء قدير.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد ذي القدر العظيم، وعلى آل نبي الله العظيم، بقدر عظمة ذات الله العظيم، في كل لمحة ونفس، عدد ما في علم الله العظيم.

نواصل غدا بمشيئة الله…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى